تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.1، ع10 /ابريل 1958 .................... ص 43

الثقافة العربية

الأستاذ: المهدي البرجالي

من الظواهر المميزة لهذه الحقبة الحضارية التي نعيشها، ولوع الأمم الحديثة بنشر ثقافتها وآدابها ولغتها بين أكبر عدد مستطاع من المجتمعات والتكتلات الجنسية أو السياسية أو الدولية.

والواقع أن جوهر هذه الظاهرة ليس بالجديد الطارئ، ولكن تطورها الاتجاهي واختمار بذورها في أذهان كثير من الشعوب وما يقتضيه كل ذلك من مزيد الحرص وشدة الرغبة والتفنن في الوسائل والتقدير في الأهداف هو الطابع الذي يدفع هذه النزعة في الحاضر ويمنحها الشكل الذي حدانا إلى اعتبارها من (ظواهر العصر المميزة).

ومن نافلة القول التنصيص على مدى اتساع هذا المجال ورحابته في حياة الأمم الحديثة، فقد أصبح من البديهيات الضرورية أن تعمد كل أمة -تبتغي لنفسها مكانة مرموقة بين أعضاء المجموعة الدولية- إلى التذرع بمختلف الوسائل، واستخدام كل الإمكانيات المؤثرة في نشر اللغة التي تحسبها لسانا قوميا لها، وتكوين أكبر منطقة استعمال لهذه اللغة، بكل ما تحمله من مناح في التعبير وما توحيه من اتجاه في التفكير.

وهذا ما يفسر -إلى حد ما- هذه الظاهرة التي تنطبع بها الحياة اللغوية في العالم، والتي تبدو معها نسبة امتداد (المجلات اللغوية) على الخرائط في هذا الوضع المثير حقا، فهذه لغات تعتبر أوسع الألسن انتشارا وأكثرها أنصارا (الإنجليزية مثلا)، وإلى جانب ذلك توجد لغات أخرى لا نعتبر أنفسنا مغالين إذا اعتبرنا أنها من أقدر الألسنة تعبيرا وأقواها دلالة وأعذبها لفظا وأجملها جرسا ولحنا، ولكنها بالرغم من ذلك تكاد تكون نكرة خارج هيئة الأمم المتحدة أضعف شأنا وأهون خطرا حتى بالنسبة إلى اللغة الصينية ذات الكتابة العمودية!!.

فما سبب هذا وما علة ذاك؟.

ليس من الحكمة أن نعزو أصول هذه الظاهرة إلى عامل وحيد أو علة فريدة، إنها مؤثرات كثيرة ذات طبائع مختلفة يؤول بعضها إلى أسباب تاريخية (حركات الغزو الأوربي في الأعصر الحديثة)، أو جنسية (حالة الولايات المتحدة وكندا وجنوب إفريقيا وغيرها)، أو ثقافية (حالة اللغة الفرنسية في بعض الجهات)، كما أن هناك من الأسباب ما له صلة بالأهمية العددية (حالة اللغة الصينية التي يتحدث بها ما ينيف على الستمائة مليون صيني من بينهم 11 مليونا في الخارج)، ولكن توافر هذه العوامل أو بعضها لأي من هذه اللغات لا يمنع أبناءها من الحدب على منزلتها كلغة عالية والكلف -لتحقيق هذا- بانتهاج جميع السبل التي توسع أمامها طريق الذيوع، وتكفل لها أكبر حظ من الانتشار والرواج.

ومن الأمثلة على ذلك: اللغة الإنجليزية، فقد اختط هذا اللسان أو اختط له أبناؤه -بما هيأه لهم مركزهم كأمة فاتحة وحاكمة- طريقا واسعا في مجال الاستعمال العالمي والدولي. وتوجد لغة (شكسبير) في الوضع الراهن في طليعة اللغات العالمية المرموقة، ولكن الإنجليز إلى جانب هذا لا يفتأون يستحدثون لها من وسائل النشر، ويصطنعون لها من أسباب البث ما يبدو أنهم يستهدفون منه إتاحة الفرصة لها، لتصبح اللغة العالمية الأولى، فبالإضافة إلى المدارس والمعاهد البريطانية المنتشرة في أي مكان، والتي ينفق عليها بسخاء في سبيل تحقيق عالمية الثقافة واللغة الإنجليزية، فإن الإذاعة اللندنية تقوم بالتعاون مع ثلة من الاختصاصيين بوضع برامج لتعليم الإنجليزية، لعلها تستغرق من الحصص الزمانية لمحطة ب. ب. س. ما لا يستغرقه برنامج مماثل آخر.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٣٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٣٠