تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الصراع المديد المتطور الي كان لا بد أن يخوضه الانسان العربي ضد عوامل السلبية -منذ أن تدخلت في محيط الفكر العربي والمجتمع العربي اتخذت أشكالا وصورا متعددة تختلف باختلاف الأوضاع العربية ولو أنها لاتزال تكون قاسما مشتركا يشمل في عمومه مختلف الشعوب العربية كان على الفرد العربي -لكي يتخلص من عوامل هذا التقهقر سواء كانت أصيلة -أو طارئة- كان عليه - لذلك- ان يواجه آفاق صراع طويل من أجل تحرير ذاتيته هو أولا، ومن أجل تحرير المحيط المادي والمعنوي الذي يكتنف وجوده، ثم من أجل تطوير هذا المحيط بما يتفق وتيارات الوعي الجديد الدافق، ومن ثم فقد كان هناك مجال لتعدد مظاهر الصراع وتعقد عوامله ومظاعفاته وتطور نتائجه تطورا يتسع مداه ومدلوله باستمرار، وفي هذا التقدير يجب أن نلاحظ جملة من الحقائق التي تعكس واقع الثورية العربية الحاضرة، وترسم أيضا من ملامحها وقسماتها الاساسية، ومن بين هذه الحقائق:

1) اتساع المضمون النضالي الاصلاحي لهذه الثورية، وامتدادها بذلك على قاعدتين متوازيتين:

أ - مدافعة القوى التسلطية العالمية، واقصاء عناصر التأثير الذي ما فتئت تمارسه منذ بعيد والذي كان يتمثل في الأوضاع الاستعمارية القديمة، وما كانت تفضي اليه من تجميد للإمكانيات العربية في مختلف الميادين.

ب - مغالبة النقائص والادواء الذاتية التي تعود بأصولها الى عصور التدهور الحضاري العربي القديم، والتي ضاعف من حدتها وأزمانها اتساع نطاق التفاوت بين الواقع العربي المتجمد والحياة العالمية المتطورة.

2) ارتباط الثورية العربية -من جانب آخر- بنهاية النظام الاستعماري القديم واسهاماتها الضخمة في حركات الاجهاز عليه وامتداد اثارها على مستوى عالمي واسع.

3) تفاعلها مع حقائق التطور الانساني العام في العالم، وتبلورها -بالتدريج- وعلى مستوياتها مختلفة - كحلقة مهمة من حلقات هذا التطور، بل - وفي بعض الحالات- والجزائر كمثال) كقوة طلائعية رائدة في بعض مجالات تحققه وآفاق امتداده.

وليس من الضروري دائما اعتبار هذه التأكيدات بمعناها المطلق الحاسم، وخاصة فيما يتصل بنقطة الالتقاء بين الثورية العربية وبعض جوانب الوعي التحرري في المناطق الاسيوية والافريقية، اذ من الواضح ان هذه الثورية لم تعد في اتجاهها الحالي الى التبلور -نطاقا تطوريا محدودا- ومن اللازم أن تتجاوز هذا النطاق المحدود الى غيره ومن اللازم أن تتجاوز هذا النطاق المحدود إلى غيره وتتسع آفاق التطور الذاتي امامها ليمكنها أن تشكل في النهاية مظهر تقدم انساني عميق الاصول والنتائج وذي أبعاد عالمية واسعة.

واذا كان معقولا ان تتطور الثورية العربية في اطار من هذا النوع، فذلك لأنه يتوافر لها في بعض الحدود المعينةعدد من المميزات والخصائص التي لا تضمنها -بحق- كل ممكنات الاشعاع العام عبر العالم، ولكنها -مع ذلك- تضفي عليها أهمية نسبية لا يمكن نكرانها في أي حال، والواقع أن كل ظاهرة انبعاثية من هذا القبيل لا بد ان يتوافر فيها من المميزات والخصائص ما يمنح وجودها صبغة فعالة ومؤثرة، وما يهيئ لها الشروط اللازمة لاستنفاذ مضامينها التاريخية الممكنة والا فان الظاهرة -في حالة معاكسة- تكون حينئذ مجرد حالة عابرة قد لا تختلف الا اصداء سرعان ما تتبخر في متهات الايام والازمان، والثورية العربية- وهي ظاهرة يبدو أنها على درجة ما من عمق الوجود والتطور -كما تعكسه مختلف الحقائق الماثلة -لابد أن تكون- بالنظر لاعتباراتها الذاتية والمحيطية- ذات ميزات وخصائص صحيحة لها قيمتها من الناحية المبدئية على الأقل، وأولى هذه المميزات تتمثل في قيمة الاستمدادات التاريخية التي تتوافر لها بشكل وافر وبعيد المدى، فالثورية العربية الحالية لا يمكن أن تعتبر

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٢٨٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٢٨٧