تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن هنا نجد الخلاف كبيرا بين المؤرخين في تاريخ وفاته ومكانها .. ونقل نصوصهم والمقارنة بينها يستدعي وقتا طويلا نحن في حاجة اليه لدراسة الكتاب ...

والذي يظهر أن سيبويه عاد الى وطنه الاول -البيضاء- قرب شيراز وأنه توفي بها بجوار اخيه الذي حضر هذه الوفاة (10) 180 هـ

ولننتقل الآن الى الحديث عن سيبويه الكتاب وهو التراث الذي بقي بين أيدينا شاهدا على عقلية ومنهجية غريبتين في بابها ..

كتب ابن النديم في المقالة الثانية من كتابه الفهرست فصولا قيمة في أخبار النحويين واللغويين وأسماء كتبهم .. ونشأة النحو العربي، وتطوره منذ فجر الاسلام الى عصره .. وأهمية هذه الفصول من الناحية التاريخية ترجع الى أنها تحدثنا عن عمل النحاة ومؤلفاتهم قبل سيبويه .. كما انها تحدثنا عن عملهم بعده يوم أصبح كتابه اماما لهم.

ولكن شيئا من مؤلفات النحاة قبل سيبويه لم يصلنا فلم نطلع على أسلوبهم ولم نعرف طريقتهم الاولى ..

وبذلك ظل -الكتاب- محتفظا بمكانته كأقدم كتاب في النحو العربي وصل الينا حتى الآن ..

وأول ما نلاحظه على الكتاب أنه لامقدمة له تشرح لنا أنه مقدمة له تشرح لنا خطة المؤلف واتجاهه في التدوين .. كما أنه لاخاتمة له تلخص ما وصل اليه المؤلف من أبحاث وهذا يعني أن المؤلف توفي والكتاب لم يأخذ صيغته النهائية .. وحتى التسمية مهملة .. فلم يسم المؤلف كتابه اسما خاصا .. وانما سمي بعده ب "الكتاب" و "كتاب سيبويه"، وبسبب ذلك هم بعض النحاة أن ينسب الكتاب لنفسه وأن يدعي أنه من تأليفه .. لولا افتضاح الامر (11).

اما مادة الكتاب التي تطالعك في سائر الابواب، فهي مادة غزيرة فيها ايات من القرآن الكريم .. وفيها امثال وجمل تروى بين النالس .. والفاظ لغوية منها العربي الفصيح ومنها المعرب، ومنها الاعجمي .. وشواهد من الشعر، منها ما ليس له نسب الى قائل معين .. وامثلة للأعراب وبيان التراكيب المستعملة لتطبيق قاعدة من القواعد ..

ولعلك تلاحظ أن سيبويه لا يستشهد بالحديث النبوي الشريف، ولا يأتي به لتفسير مفردة لغوية أوتطبيق قاعدة نحوية .. وهذا غريب .. مع أنه طلب الحديث في شبابه المبكر، فلعله كان يتقي ذلك بسبب تساهل الرواة في نقل الحديث بالمعنى لا باللفظ.

أما الطريقة التي يعرض بها سبويه هذه المادة لقراء كتابه ودارسيه فهي طريقة تكاد تكون متفقة مع طرق التعليم العصرية .. فهو يعرض أمامك المادة اللغوية: تراكيب والفاظ، عرضا وافيا ثم يفتتح المناقشة ليستنتج النتائج المطلوبة من القواعد النحوية وأحكامها، وكثيرا ما يترك لك فرصة الاستنتاج بنفسك بعد أن يمدك بالعناصر الكافية، فهو اذن ينتقل من التفصيل الى الاجمال ومن الامثلة الى القاعدة .. وتجده أحيانا يعكس هذه القاعدة تماما .. فيذكر الاحكام ويعقب عليها بعدة أمثلة وشواهد توضح مجملها وتنشر خفيها .. وهذا كله معروف في طرق التربية والتعليم الحديثة ...

والذي يدرس كتاب سيبويه يرى الفرق الواضح بينه وبين الجامدين من النجاة الذين ظنوا خطأ أن النحو هو الاعراب فقط، فراحوا لا يكادون يهتمون الا بالناحية الشكلية لاعراب آخر اكلمات ..

مع أن النحو في كتاب سيبويه هو البحث عن الجمل والتراكيب من حيث استقامة المعنى والتركيب واللفظ، فهو اذن نحو حي مفيد يربي ملكة الفهم في الطالب من جهة، وملكة البيان والتعبير من جهة اخرى

(10) الزبيدي ص 73 - 74

(11) الفهرست ص 59 وما بعدها ط الرحمانية بالقاهرة 1348 هـ

(12) نزهة الألباء ص 185 - 186

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٢٨٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٢٨٣