تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أن يصير الانسان هذا أو ذاك)، وهذا الزمن الذي نفرض وجوده مسبقا، هو الذي يخولنا التمييز بين"قبل" و "بعد". لكن، يجذر بنا عنا أن نستنتج بأن مفهوم الزمن (كما نستحلصه من فروض فلسفة سارتر) يصادم المدلول الذي يعطى للماهية: فالزمن يظهر تماما في نفس الآن الذي ينتقل فيها الكائن من "وجود

بلا ماهية .. "، الى وجود صار كذا أو كذا. وعليه، فالماهيات تتحقق في الزمن الحاضر ( s'actualisent) فـ "الحضور لـ ... " هو أساس الزمن الحاضر، وليس الا "الشيء-لذاته"، بصفته يعرف بعملية تعديم الموجود.

ولنعد، بهذه المناسبة، إلى مثال القطعة من القماش: بما أن تدخل الخياط عرضي (يمكن وقوعه أو عدم وقوعه) ولا يأتي إلا بعد النسج، فان القماش مليء بهذا وذاك .. من الإمكانيات. فيجوز لنا، اذن، أن نقول، عن قطعة القماش، بأن وجودها يسبق ما هيتها (وهذه الفطرية تجعلنا على نقيض من نظرية سارتر). على أنه، لو ألزمنا بالبحث عن ماهية القماش، لوجدنا نفسنا في حيرة، ولوجب أن نتحدث عن ماهيتين، على الأقل، أولاهما تكون سابقة على التكوين الحالي للقماش (أو "قماشيته")، مع أنه ما "زال" مجرد مرشح إلى عدد كبير من امكانيات أخرى غير "قماشيته" الحالية. أما الماهية الثانية، فهي التي تجعل من قطعة القماش (بصفتها قطعة قماش) مصدرا لعدد كبير من الملابس التي يمكن أن بكونها، أولا بكونها حقا، أن التفكير في ماهية القماش، يرجع بنا إلى تفكير في ماهية الصوف أو القطن، وماهية الصوف ترجع بنا الى ماهيات أخرى متعددة، ونبقى نسير، هكذا، إلى اللانهاية. انها ماهيات -صارت- موجودات. فلا مندوحة لنا، اذن، من أن يقول بأنه ليس هناك الا سلاسل لا تنتهي، من "ماهية-وجود".

ان مفهوم التشخيصن يقي الباحث، في "الكائن البشري" من السقوط في مشكل الثنائية: "وجود-ماهية". فبمجرد ما يبرز الكائن في هذا العالم، يشرع، فورا، في التشخصن، الى حد أنه لا يجوز لنا أن نقول عنه بأن له وجودا منعزلا عن ماهية. فليس له وجود محض "قبل" والـ "بعد" لا يوجدان بصفة مطلقة في زمن مطلق، بل وجودهما مقيد بوجود كائن بشري. قد جعل من نفسه كذا وكذا، والا لما امكننا أن نتكلم عنهما. ان مجموع مراحل عملية التشخصن يقع وينتظم في الزمن، بينما ظهور الزمن ليس لا نتيجة للحركة المشخصنة. نعم، هناك الكائن، لكنه لا "يكون" شيئا خارج هذه الحركة: انه آونة الشروع في التشخصن.

* * *

المشكلة التي توضع الآن، الآن، هي ان نعرف هل الانتقال الاولى، الذي تبدا به السلسلة الانهائية من الانقلابات المتتابعة، يكون من طبيعة أخرى جديدة، مغايرة لطبيعة الكائن، أو انما الفرق، بين الكائن والشخص، مجرد فرق في الدرجة (باعتبار الكائن معطى أولي خام، تتوقف عليه، حتميا، امكانية التشخصن). فلنفرض أن هناك فرقا في الطبيعة، بين الكائن والشخص. فما هو الأساس الانطولوجي للشخص اذن؟ وإذا كان الانقلاب يغير طبيعة الكائن، فكيف يمكن تفسير بعض مظاهر سلوكنا، التي لا زالت ألغازا عند أصحاب السيكولوجيا- الاجتماعية؟ لو حصل تغير في الطبيعة، لما ترك هذا الانقلاب الكلي آثارا. بيد أن التجربة التي نحياها كل يوم، ومشاهدتنا للآخرين، تظهر، بوضوح، أن الشخص ينقل معه بقايا من الكائن، كعناصر مؤسسة لقاعدته. وإلى هذا الوضع ترجع بعض الدوافع وضروب السلوك، التي لا توجد لها تأويلات اجتماعية. ان المحاكاة من الوسائل الأولى التي يعبر بها الطفل عن شخصيته (بعد مرور اثنى عشر شهرا على ميلاده). لكن الطفل لا يقلد الا اذا أثار انتباهه الشخص الذي يقوم بالاشارة أو الحركة. فتجاذب الافراد (بين طفل وطفل، أو بين طفل وكهل) هو الاساس الحتمي لكل جماعة. ليس الكائن بالشخص، وليس الكائن بانسان الا أنه يرمي الى تحقيق الشخص الذي يتظاهر به في المجتمع. "ان أول حركة تبرز الكائن البشري في طفولته الأولى، حركة نحو الآخرين، فالطفل بين الشهر السادس والثاني عشر من عمره، عند خروجه

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٢٦٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٢٦٨