تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مخلد بالدعاء إلى الله من أجل تكسر قيده من تلقاء نفسه، وتكر >لك حتى رأى رهبان النصارى أن الله قد استجاب لدعوة أمه فيه، والغريب أننا نرى أن روايات هذا الخبر كلها تنتهي الى عبدالكريم بن هوزان القشيري صاحب الرسالة الى الصوفية دون أن يذكرها من ترجموا لبقي من قدماء الأندلسيين، وهو خبر قريب من كرامة تؤثر عن ذي النون المصري: فقد جاء في حلية الأولياء لأبي نعيم الأصبهاني ان امرأة اختطف التمساح ولدها فأسرعت إلى ذي النون فدعا الله بدعاء، رد إليها ولدها بعده سليما معافى، والكرامتان كما نرى متشابهتان لولا أن كلا منهما متأثر هذا ببيئة مصر وذلك ببيئة الأندلس.

ويذكر ابن الفرضي في ترجمة يحيى بن قاسم بن هلال القرطبي المتوفى في سنة 287 انه كان من العباد وكان يطلق عليه إسم "صاحب الشجرة" وتفسير ذلك أنه كانت في داره شجرة تسجد لسجوده إذا سجد.

على أنه كما بدا التصوف في المشرق بتلك العبادات أوالرياضات الدينية والميل الى حياة متزهدة متشقفة ثم انتهى الى أن اصبح تأملا عقليا وجدانيا خالصا، فكذلك كان الأمر في الأندلس، بدأ التصوف يستقل عن تلك الحياة الزهدية، وبدأت معالجة تتجسم بشكل واضح، واننا نرى أن ذلك انعكس في مظهرين:

الأول أن هذه العبادات بعد أن كانت مزيدا من التدين يزاوله افراد متفرقون لا تجمعهم صلة أصبحت منذ أواخر القرن الثالث رابطة تجمع بين نفر من العباد يقيمون في متعبد خاص بهم، فإننا نجد ابن الفرضي في ترجمة أحد هؤلاء وهو اصبغ بن مالك القبري المتوفى سنة 299 انه يجتمع إليه أهل الزهد والعبادة فيتذاكرون في داره، وكان يعيش في يشتر، وهي تلك القلعة المنيعة التي كان يتحصن بها عمر بن حفصون الثائر على الخلافة الاموية، بل ان هذه الرياضات الدينية لم تعد قاصرة على الرجال بل اشترك فيها النساء كذلك، يذكر ابن الابار أن أم الحسن بنت أبي لواء سليمان بن أصبغ المكناسية وهي من بيت بني وانوس البربري كانت قد أقامت مسجدا لصق بيتها في فحص البلوط شمال غربي قرطبة، فكان يقصدها صوالح نساء اهل ناحيتها يتذاكرون سير العابدين والعابدات، ويقول انه كان لها ببلدها لذلك شان كبير، ومما يلفت نظرنا في هذين الخبرين ان هذه المتعبدات التي كان يقيم اهل الصلاح والعبادة من الرجال والنساء لم تكن مثل اربطة ثغور افريقية التي كان يقيم بها عدد من النساء يقومون بالجهاد والعبادة في آن واحد، وانما كانت اماكن للعبادةفقط اذ هي بحكم موقعها كما نرى بعيدة كل البعد عن ثغور المسلمين المتاخمة لبلاد النصارى، فيشتر تقع على الجبال المحيطة بغرناطة، وفحص البلوط في المنطقة الجبلية المحيطة بقرطبة، ومعنى ذلك أنها كانت أشبه بالزوايا المخصصة لحياة تأملية روحية صرف، ثم اننا نلاحظ انه قد روعي في اختيارها أنها اقيمت في جهات جبلية وعرة تعين على الانقطاع والاعتكاف الكامل على نهج ما نرى في كل حياة صوفية خالصة.

اما المظهر الثاني الذي أشرنا الى بروزه في هذه الفترة دالا على تميز الصوفية عن العباد في الأندلس فهو بدء اصطدامهم بالفقهاء من المحافظين على سلامة العقيدة في جوهرها ومظهرها، وقد رأينا أن هذه الحياة المتعبدة لم تجد من الفقهاء في الأندلس اعتراضا ولا نقدا حتى الآن، بل ان هؤلاء الزهاد كانوا موضع احترام وتبجيل من الجميع اذ كانوا في نظرهم قوما صالحين مقبلين على العبادة دون أن يرى احد في أفعالهم أو أقوالهم ما يتعارض مع الشريعة، اما في أواخر القرن الثالث فقد ظهر من هؤلاء العباد ما بدا الفقهاء ينظرون اليه في ريبة وتشكك.

واول من يمثل لنا هذا الاصطدام بين الفقهاء وبين هؤلاء العباد الذين لا نسرف اذا سميناهم صوفية بمعنى الكلمة هو يمن بن رزق الطيلي الذي احتفظ لنا ابن الفرضي ببعض اخباره، وكان أصله من قرية بالثغر بجوار تطيلة أي في أقصى شمال الأندلس، ويبدو أنه كان من أهل السياحة اذ يذكر أن وفاته كانت بالمشرق بعسقلان وأن قبره هناك كان موضع تبجيل المسلمين بهذه المدينة، وقد كانت عسقلان في أرض الشام من المدن التي اشتهرت باربطتها ومتعبداتها، ويظهر انه استقر فترة من حياته في القيروان، إذ أن معظم أخباره ينتهي إلى مواطن له اندلسي عاش في افريقية حتى وفاته هو يحيى بن عمر الأندلسي تلميذ سحنون، ويذكر يمن انه لما أوشك على الاحتلام رأى كان قفل نحاس على قلبه ثم نظر الى مفتاح القفل بين يديه ففتح به ذلك القفل، ومثل هذه الرؤيا اشبه بما كان يعرض لأهل التصوف مما كان يتفق للزهاد، ويذكر يحيى بن عمر انه كان يعتكف في بيته النهار كله لا يخرج إلا للصلاة مع الجماعة ثم

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٢٤٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٢٤٧