وما برح شعراء العروبة يتغنون بالكارثة شرقا وغربا، حتى ارتفعت صرخة لاجئ مشرد من أبناء فلسطين، ممن ذاقوا قسوة التشرد، وأحسوا مرارة الضياع، ارتفعت تنذر وتهدد، وتعلن في سخط وتبرم أن صاحبها لن يظل لاجئا مشردا، ولا مغلولا مقيدا، أنه يأمل في غذ مشرق قريب، يثور فيه مطالبا ببلاده غير مبال بهلال أو دمار، فهو صاحب حق، يكفل له بناء مستقبل زاهر، وبين جنبيه قلب يخفق لفلسطين، ويحمل لها أجمل الذكريات، فهي مسقط رأسه، ومدرج طفولته، وملعب صباه، مستقر داره وكرمته وناديه، ولذلك يبرم بتشرده، ولا يرضى بمصيره، ويعزم عزما أكيدا على إعادة وطنه عزيزا كريما، هذه الصرخة المدوية قد انبعثت من أعماق الشاعر الفلسطيني (هارون رشيد) الذي صاغ حنينه إلى الوطن في لحن حزين ثائر فقال:
أنا لن أعيش مشردا أنا لن أظل مقيدا
أنا لي غد وغدا سأز حف ثائرا متمردا
أنا لن أخاف من العوا صف وهي تحتاج المدى
ومن الأعاصير التي ترمي رمادا أسودا
ومن القنابل والمدا فع و الخناجر والمدى
أنا صاحب الحق الكبي ر و كرمتي و المنتدى
أنا نازح داري هنا ك و كرمتي والمنتدى
وطفولتي درجت على أرض البطولة والندى
وصباي كم نهل المني فوق الروابي واغتدى
وطني هناك ولن أظـ ـــل بغيره متشردا
سأعيده سأعيده وطنا عزيز ا سيدا
هذه الصرخة المدوية التي أعلنها ابن فلسطين هارون رشيد قد استجابت لها صيحة أخرى من الشاعرة العراقية (عاتكة الخزرجية) استحثت بها أبناء العرب أن ينهضوا و يتحدوا، فلا يليق بهم - وهم الأحرار - أن يساموا الهوان والذل في وطنهم و فوق أرضهم، و لا بجدر بهم أن يغضوا الطرف عن أبنائهم الذين يهيمون على وجههم فيافي أذلاء متشردين، أصغ إليها تقول ....
أبناء قومي قد أنى أن تبعثوا بعد الرقود
أيليق بالأحرار أن يمسوا أذل من العبيد؟
ويقسموا ويتشردوا بل يغصبوا أرض الجدود
أبنائهم في الأرض تضر ب بين عبد أو طريد
وتلح الشاعرة العراقية على وحدة الصف العربي، لأنها الوسيلة الوحيدة التي ترغم إسرائيل على ترك البلاد لأصحابها، وحينئذ تعم الفرحة، وتغمر النفوس، فيخفق بذلك للعرب عيد حقيقي، يفوق سائر الأعياد في جوهره و إيحاءاته ..
اليوم عيد يا بني قومي، ولكن أي عيد
العيد أن تتوحدوا أن ترغموا أنف اليهود
وسيرغم أنف اليهود حتما، وسيخرجون من أرضنا صاغرين، مادام فينا دم ينبض بحب فلسطين، وقلب يخفق لمأساتها، ومادام فينا لسان يردد قول شاعرها العظيم عبد الكريم الكرمي ..
يا أخي ما ضاع منا وطن
خالد نحمله في كل قلب
محمد محمود مقلد
عضو البعثة التعليمية بالمغرب والأستاذ الأول بالمدرسة الثانوية العربية بالرباط ص ب 205