دعوة الحق، س5 - ع7 أبريل 1962 .................... ص27
أزمة الفكرة التوحيدية العربية
للأستاذ المهدي البرجالي
هل هناك بالفعل أزمة حقيقة تعاني منها حركة التوحيد العربي في أطوارها الراهنة؟ وما مدى هذه الأزمة وامتداد أبعادها الفلسفية الواقعة؟.
إن استعراض الصور التي يترآى فيها واقع هذه الحركة في الوقت الراهن، واتجاهاتها العامة المختلفة كل ذلك من شأنه أن يوحي للمراقب أجنبيا كان أم قريبا، ببعض الانطباعات التي لا تبعد كثيرا عن مفهوم الأزمة، بل تساهم إلى حد ما تكوين هذا المفهوم وتعميق دلالته وإبراوه كحقيقة ماثلة ومؤثرة فالواقع أن الاتجاهات التوحيدية في دنيانا العربية لا تزال تتشابك فيما بينها تشابكا معقدا ملتويا لا يعكس في حقيقته مظهر نزوع إلى التمازج والالتحام بل صورة تصارع وتزاحم قد يكون لهما مبرر أحيانا، وقد تنعدم فيهما كل المبررات أحيانا أخرى، ولا ريب أن من نتائج هذا التشابك بمعناه المتقدم وجود كل هذا القدر من الغموض السطحي غير الطبيعي الذي يسود القضية التوحيدية العربية كثيرا في الوقت الراهن، وهذه الملابسات الطارئة غير اللازمة التي تكتنف القضية اكتنافا يحيلها أحيانا إلى ركام من التناقضات الفكرية والاتجاهية، الأمر الذي يغمض معه سبيل استبانة عدد من المفاهيم والمثل والقيم، وتتعقد نتيجة لاستمراره حقائق الواقع الملموس، وليس لنا أن نقتحم سبيل التحليل والتقصي للعوامل المباشرة التي توجد كأساس لوقوع سلسلة التطورات الأخيرة في العالم العربي مما له صلة بمستقبل الفكرة التوحيدية العربية، إلا أن ذلك لا يجوز أن يصدنا عن مراجعة النظر في مجموع الظواهر البعيدة التي تشكل صورة ومحتوى هذه الفكرة كما هي اليوم، واستخلاص بعض الاستنتاجات المتأصلة عن طبيعة هذه الظواهر واتجاهاتها، ان الفكرة التوحيدية العربية، تجتاز كما أسلفنا أزمة ذات خطورة نسبية، وهذه الأزمة وان لم تكنفي الواقع أزمة مصير ومآل لأنها لا يمكن كما لا يجوز لغيرها من الأزمات العابرة، أن يؤثر في توجيه مصير التيار الوحدوي العربي الإسلامي، أو يحدد له سبيلا آخر غير السبيل التي تتلاءم مع حتميته التاريخية، إن الأزمة بهذا الاعتبار ليست أزمة مصير، وإنما هي في الواقع أزمة اتجاه واستهداف، أزمة اتجاه في المقصد والغاية، وأزمة استهداف لنوعية المفاهيم والقيم والمثل التي تتمثل في هذا المقصد والغاية، ومن الطبيعي أن تقصر الوسائل أحيانا عن الوصول إلى الأهداف، ومن الطبيعي أيضا أن يكون هذا القصور أحيانا سببا في كثير من التخبطات العشوائية قبل أن يتم الاستقرار في النهاية على أساس صحيح ومتين، وقد تقود هاته التخبطات إلى كثير من العثرات والمزلات، وذلك قبل أن تستنفذ الحتميات التاريخية كل مضامينها وتأثيراتها، وتفضي بما لها من قوة التسلسل والتدافع إلى المرحلة التي تتخذ فيها الفكرة شكلا نهائيا تصبح معه وهي متكاملة الجوانب، واضحة الملامح، ثابتة الوسائل والنتائج.
إن حدوث مثل هذه السقطات والتعثرات يبدو إذن كضرورة محتوية لا مرد لها باعتبار أنها ظاهرة طبيعية تلازم كثيرا من مجالات التطور التاريخي ذي الصبغة التحولية الراديكالية الصميمة مثل ما هو عليه الأمر بالنسبة لقضية الوحدة أو الاتحاد بين البلاد الغربية الإسلامية والمستشرف لآفاق التاريخ الإنساني يرى أن النظريات الأيديولوجية من هذا النوع