دعوة الحق، س.1، ع10 /ابريل 1958 ............... ص 3
دعوة التحرر من الخرافات والعودة للعناية بعلوم الدين، مجددة منفحة، بل إن الأيام تسير في هذه البلاد بعكس ما كان يرمي إليه عبده، إلى التحلل من الدين، أو الجمود على الخرافات التي ألصقت به، أي الجمود أو الجحود، وقد حاربهما الأستاذ الإمام معا، ودعا إلى التغلب عليهما بالإصلاح والتجديد.
رجع عبده إلى ميدان الدرس، مكتفيا بتكوين تلامذة رجا منهم أن يكونوا المحققين لفكرته من بعده، فأخذ يفسر القرآن، ويجدد في أساليب عرض آراء المسلمين في كل مسائله، ويبعث على التبصر بأحكامه و آياته، ولم يكن عبده يهمه من هذه الدراسة غير خرق العادات التي سار عليها الأزهريون من عدم دراسة كتاب الله، و الاكتفاء بتلاوته، وقد استطاع أن يوجه النظر للقرآن ويحمل كثيرا من تلامذته على كتابة دروسه ثم التوسع في التفسير على طريقته، فخرجت من ذلك تفاسير مطولة ومختصرة لا يعنيني أن أتحدث عن الطريقة التي اتبعت فيها، ولا عن الآراء التي عرضت لأصحابها، لأن ذلك موضوع آخر يحتاج إلى بحث وتطويل، ولكن الذي يعنيني من هذا هو أن عبده لم يكن يخضع لنظريات المفسرين من قبله دون بحث أو نظر، كما أنه لم يكن يقول في القرآن برأيه، و أنما كان يبذل الجهد للبحث عن تفاسير السلف واختار أحسنها أن التوسع فيها والاستدلال باللغة ودقائقها على ما تعنيه الآيات الكريمة، وكان يحاول بقدر المستطاع أن يوفق بين ما وصل إليه عمله من مظاهر العلم الحديث، وبين ما جاء في الآيات القرآنية، و إذا كان التوفيق قد خانه أحيانا فان ذلك لاينقص من قيمة الجهد الذي بذله، والحق أنه هو نفسه لم يكن يتأخر عن الرجوع في النظريات التي يناقشه فيها أمثاله من العلماء المخاصمين، متى ظهر له وجه الحق فيها، فقد تراجع عن إنكار جواز (المسألة) لمنافاتها للعزة الإسلامية، فلما أدلى له بقوله تعالى والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم) أنصف واعترف بالحث في التفسير الذي كتبه بنفسه لجزاي عم وسبح، وحينما ناقشه الشيخ محمد محمود الشنقيطي في مسألة البحث في خلق القرآن، و أنها ليست من مذهب السلف، أمر بحذف ما كتبه فيها في الطبعة الثانية، فنقل عنه الشيخ رشيد في تعليقه على هذه الطبعة ص 47 من الرسالة ما يلي: (وقد حذفنا من هذا الموضوع نصف صفحة من الرسالة في مسألة الخلاف في خلق القرآن، عملا بأمر المؤلف، إذ كتب بخط يده في طرة نسخته:
(في الطبعة الثانية يحذف القول في خلق القرآن) وبين لنا السبب في ذلك في الدرس فقال: انه التزم في الرسالة مذهب السلف، وهذه المسألة من البدع التي ليست من مذهبهم، وكان الذي ذكره بذلك الشيخ محمد محمود الشنقيطي، فأذعن وذكر ذلك في الدرس) وانه لمن الغريب أن يقف صديقنا الأستاذ الكبير محمد أبو زهرة موقفا آخر، إذ يأتي في القرن الرابع عشر ليؤيد مذهب القول بخلق القرآن أثناء بحثه عن هذه المسألة في كتابه عن الأمام احمد بن حنبل رضي الله عنه، كما يؤيد جواز القول في القرآن بالرأي فيما كتبه عن هذا الموضوع في تأليفه النفيس عن الأمام ابن تيمية، وكل جواد يكبو، وكل سيف ينبو.
كان من وجوه الدفع للشبهات عن الإسلام، أن بين عبده وواصل البيان، أن القرآن ليس مدونة علم ولا تاريخ ولا نحو أو صرف، و أنه كتاب غايته الهداية ووجهته الدلالة، وأن ما يذكر فيه من قصص أو تاريخ أو غير ذلك ليرمي لأكثر من الإرشاد وإقامة الحجة والتذكير بسنن الماضين، ولم يكن عبده يقصد إلى أن هذه الأمور المذكورة في القرآن قد لا تكون موجودة. فهذا ما لم يخطر بباله أبدا، وإنما كان يقصد إلى أن ذكرها لم يكن إلا عرضيا يقصد منه التنبيه لسنن الله في خلقه وتذكير المسلمين بما أصاب من قبلهم من عظات و ما حل بهم من مثلات، فحينما يقصد علينا إنباء بني إسرائيل وموقفهم من أنبيائهم وما ارتكبوه في ذلك من ذنوب اجتماعية، وما عاقبهم الله به من ذل وتشريد، كان يحدث عن أمر واقع، ولكن يريد أن نتعظ به ليلا يصيبنا ما أصابهم فتهلك كما هلكوا.
كان عبده يريد أن ينبه إلى أن أسلوب أبي حيان في النحو، وطنطاوي دهوري في العلوم الطبيعية، أمثالهما، أن كان يعد من طرائف العلم بالقرآن، فان كتاب الله يجب أن يقرأ ويدرس لاستخلاص نافيه من حكم وآيات ترفع من شن الفرد والمجتمع منذرات الصدع إلى ذات الرجع، أما أن نشتغل عنه بدراسة الألفاظ فحسب، دون اكتنزاه ما وراءها، فهو ما ليتفق مع قداسته والقيمة التي يستحقها في نفوس المؤمنين به ولكن عبده كان متأثرا قطعا أكثر من هذا، بالشبهات التي عرضها ريمان على النوار التي تشتمل على تواريخ تختلف عما ه معروف، فبعد أن عرض لهذه الشبهة، بين الميزة التي في القرآن، إذ أنه لم يذكر توتري معينة إلا في موضع واحد، إذ أنه لم يذكر تواريخ معينة إلا في موضع واحد، إذ كان يناقش اليهود و النصارى في أمر ابراهيم (و ما أنزلت التوراة الإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون) و أما ما عدا ذلك فكلها أخبار للرسل والأنبياء غير محددة الآجال ولو هذا التحديد الواسع.
وإذا كان موقف عبده واضحا بينا، وصحيحا نافعا في دفع أية شبهة تعرض في الموضوع، لأنه يقوم على أساس عدم مناقشة ما ورد في القرآن، لأنه النص المهيمن على كل ما عداه، سواء كان في الكتب المقدسة الأخرى أوغيرها، فانه ويا للأسف فهم على غير وجهه، وكان تمهيدا لمزاعم الأستاذ الخولي في كتابه (الفن القصصي في القرآن) حيث أنه زعم أن وجود النبأ في القرآن ليستلزم صحته، وهذا ما لا يتفق مع قداسته القرآن، وأني لمتيقن أنه لو عاش الأستاذ الإمام لكان في مقدمة المنكرين عليه والرادين لشبهته بما تستحقه من