دعوة الحق، س.1، ع10 /ابريل 1958 ............... ص 2
بالمجهود الذي بذله صديقي الدكتور علي سامي النشار في كتابه (مناهج البحث عند مفكري الإسلام، ونقد المسلمين للمنطق الارسططاليسي) فهو من الأمثلة التي يجب أن تتبع في احترام الخلف لعمل السلف، ثم المضي في طريقهم إلى الأمام.
أما موقف عبده من الفلسفة فهو موقف المسجل لما قام به المسلمون من بحث وتنقيب ودراسة حرة،
وما وجده الفلاسفة من حماية في كنف الحكومة الإسلامية التي لم تكن تعرقل بحث باحث ولا دراسة دارس بل كانت تشجع وتساعد.
.................. صورة .................
الأستاذ: أحمد أمين
والذي نفهمه من مجموع كلام الأستاذ الإمام، أنه يدعو لتحديد الاختصاص، فعلم الكلام يجب أن يقوم على أساس البحث عن الوسائل المؤيدة لوجود الله وما جاء في كتبه على السنة رسله، التوفيق بين العلم والعقل والدين، وان يكون استعداداتها من مجموع التراث الإسلامي على الأسلوب الذي سلكه السلف، مع تجديد في الطرق، وتطبيق لأساليب البحث الجديد. أما الفلسفة فيجب أن تكون دراسة الكون واستقتاه نواميس الله فيه، أي تكون في المنطقة التجريبية العلمية، فإذا كان مافهمناه حقا، وهو مايشهد له تأسف عبده على اشتغال الفلاسفة بمسائل المغيبات، فانه يكون قد وضع ميزانا جديدا لتحديد مناطق التجربة العلمية، من حيث أثرها في التوجيه الإنساني والتنظيم السياسي والاجتماعي لتكون فلسفة ايجابية تقوم على مايرتسم في الفكر من آثار المكتشفات، ومناطق الفكر المجرد عن العوامل الخارجية، والذي لايهتم بغي اكتلناه الذات الإنسانية من حيث خوالجها النفسية، وسبحها في عالم أعلى لالتقاط الإلهامات عن طريق التأمل والتبصر والاقتداء بأقوال وإعمال الرسل وأتباعهم، فنحن آراء فلسفة لا تعترف بالعقل المحض، وإنما تعترف بعقل يستمد إشعاعه من الغيب، وهو علم الكلام، وعقل يستمد من الموجودات وهو الفلسفة.
ومهما يكن الأمر، ففتح الذهن قبل كل شيء وتجديد أساليب الدراسة والبحث وتكييفها بالكيفية العصرية، ذلك مايجب البدء به وذلك ما دعا إليه عبده في كل كتاباته.
وهذا ما يؤدي بنا طبعا إلى دعوته للاجتهاد في التشريعية، كما دعا للجهد في العقيدة، فقد صرخ صرخات منوالي ضد أولئك العلماء الجامدين الذين كانوا يدافعون عن فكرة التقليد، ويؤمنون بإقفال باب الاجتهاد د، وعبده لم يسلك في هذا الباب غير ما سلكه المصلحون السلفيون من قبله. منذ عهد المصلح الأكبر شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد ردد الشيخ رشيد رضا أفكار عبده في هذا الموضوع في محاورته بين المجتهد والمقلد، ونحن لنريد أن نطيل في هذا الموضوع لأنه أصبح أمرا مفروغا منه اليوم، وإنما نريد ان نبين أن عبده نفسه أعطى كثيرا من القدوة في احترام المذاهب الإسلامية على اختلاف أنواعها، واقتباس آرائه منها بعد عر ضه على محك الكتاب من القدوة في احترام المذاهب إلا سلامية على اختلاف أنواعها، واقتباس آرائه منها بعد عرضه على محك الكتاب والسنة ومقاييس الأصول، ولكن الناحية المهمة في هذا الموضوع هي الكتب التي كانت بين يدي المسلمين والتي أصبحت وحدها مصدر ما يتجهون إليه من آراء ومبعث كل عقبة في سبيل الإصلاح، ولذلك أحب أن يوجه إتباعه لدراسة القرآن والسنة، وأن يعمل على إحياء كثير من الكتب التي إلفها السلف في عهدهم الأول، لكي يرى المسلمون بينها أمثلة حية للعالم المجتهد والباحث النظار، ولكن إقفال باب الاجتهاد في العصور الماضية لم يكن الباعث عليه مجرد الجمود كما يتراءى لأول نظرة، بل كان في جملة البواعث عليه هذه الفوضى في النظر وفي الفقه التي لابد منها لكل حرية مرسلة دون تنظيم أو توجيه، ولإزالة هذه الشبهة وآثارها يجب الاهتمام بتربية المجتهدين وتكوينهم وتخرجهم من معاهد قادرة على أن تتيح لهم الفرصة التي يستحقون معها الارتفاع لمقام أولئك الأئمة الإعلام الذين هم نجوم الإسلام.
وهذا ما دعا بعبده إلى الدعوة لتجديد أساليب الدراسة في الأزهر وفي المعاهد الدينية، وحينما يئس من الوصول إلى تحقيق فكرته حاول العمل على تأسيس كلية خاصة أو مدرسة للدعوة والإرشاد تلك الفكرة العزيزة على رشيد رضا.
وقد اقتنع بعد ذلك أن هذه المسائل كلها ليمكن أن تتم، مادام هنالك عائق من جمود المسلمين وعلمائهم وخضوعهم لأصحاب الطرق والخرافيين الذين يمنعونهم من كل نظر وأبحث، واتصال بغيرها وجدوا ليه أشياخهم من الكتب العتيقة والأفكار الساذجة، ومقاومته لهؤلاء وصيحاته في وجوههم أوجبت له الاتهام بالكفر والزندقة، الأمر الذي لم يتح له الفرصة الصالحة لتحقيق الكثير من آرائه، على أننا ونحن نتحدث عن هذا الجانب من حياة عبده، يؤسفنا أن لا نرى في مصر ولا في الشرق العربي أثرا كبيرا لهذه الدعوة الصالحة