تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.1، ع10 /ابريل 1958 ............... ص 4

عناية وبيان، وقد بين رشيد رضا في غير موضع من التفسير أن القصص الموجودة في كتاب الله ليست صحيحة فقط، بل هي الحجة الوحيدة الباقية على وجود الأنبياء و المرسلين، وما اشتملت عليه كتبهم أو بقايا كتبهم من أخبار واثار.

ولكي يثبت عبده إيمانه الكلي بما ورد في القرآن ولو كان متعارضا مع أية نصوص أخرى من روايات أهل الكتاب وغيرهم في الكتب المقدسة وغيرها، هاجم عبده في غير هوادة الأخبار والتواريخ القديمة، مبينا عدم ثبوتها أمام التمحيص، ومؤكدا أن نزول القرآن كان بداية تاريخ جديد للإنسانية (انظر تفسير المنار. ج2 - ص 471 - 472 - وج1 ص347).

وهكذا يؤمن الشيخ وإتباعه بما نص عليه القرآن من تحريف أهل الكتاب لما انزل عليهم من ربهم، ووضع الكلم في غير مواضعها تحريفا حقيقيا. ولكن ماهية حقيقة التحريف الذي وقع فيه أهل الكتاب؟ هل تغيير النصوص المنزلة بالحذف والزيادة فيها، أم هي الخروج عن معانيها المقصورة بتأويلات بعيدة عن مقاصدها؟ أما أغلب المسلمين فيعتقدون المعنى الأول، أي وقوع التحريف الحقيقي في كتب الله، وإما ابن خلدون فانه نهج في الجزء الأول من تاريخه منهجا لا نعلم له سابقا، وهو استبعاد أن يكون الأحبار و الرهبان قد غيروا ألفاظ كتبهم أو حذفوا منها أو زادوا فيها، وإنما كل ما هنالك أنهم اعرضوا عنها وتأولوها بمحض الرأي الذي لاستند لدليل، أما عبده فيظهر على ما يحكي عنه الشيخ رشيد رضا في (ج 2 من التفسير ص 49) انه فيما يخص الإنجيل كان يتهم الحواريين بأنهم لم يحفظوا ما قاله المسيح على الوجه الصحيح، ويما يخص الكتب الأخرى كان يميل إلى مقاله ابن خلدون.

ولكن تلميذه رشيد رضا بين غلط الأستاذ وغلط ابن خلدون في هذا الاتجاه، وحقق في غير موضع من التفسير، أن التحريف واقع حقيقة لا مجازا، وفيما كتبه الأمير شكيب أرسلان في تعاليق طبعتنا على ج 1 من تاريخ ابن خلدون مايغني عن إعادة الكتابة في بيان أحقية الشيخ رشيد في موقفه من نظرية أستاذه، وقد أوضح ريمان بشواهد لتقبل النقض، أن فصولا كثيرة أضيفت للكتب المقدسة في تواريخ مختلفة، و أن فصولا أخرى لم تحذف إلا منذ بضع مئات من السنين بقرار من البابا حينذاك.

ولكن عبده على كل حال يقاوم الإسرائيليات ما استطاع، وينعي باللوم على كثير من المفسرين الذين يتبعون إنباء بني إسرائيل ويطبقون عليها القرآن، ويقف رشيد رضا موقفا اشد، من كعب الأخبار وأمثاله، ممن يعتقد أنهم قاموا بدور فعال في تسرب التأويلات المبنية على الثقافة الإسرائيلية لكتب التفسير، ولوضع كثير من الأحاديث التي ما كان منها غير إفساد الدين على المسلمين.

إنما يجب أن نعترف بأن المدرسة التعبدية وقعت أيضا فيما فرت منه، فتسرب إلى رجالها كثير مما أحب أن أسميه بالإسرائيليات الجديدة، ولذلك فمن الواجب على أنصار السلف، أن يحذروا الاستمرار في هذه المزالق، والتجرد المطلق من كل تأثيرات خارجية في أثناء دراسة كتاب الله وأصول الإسلام، لأنه ليضرنا من خالفنا إذا كنا متيقنين بان ما تقول به هو من صميم الدين، وسواء أولنا أو فوضنا، سددنا واقتدينا، فلا ينبغي أن يكون لنا على ذلك باعث غير الرغبة في البعث الإسلامي وإصلاح أمر المسلمين في دينهم ودنياهم.

إن التجديد في التقليد اضر علينا من الجمود في تقليد من سلف، وإذا كنا نؤيد عبده في الدعوة إلى الثقة بالعقل، وفتح باب الاجتهاد في كل شيء، فإننا نريد أن نسي على ذلك المنهج إزاء كل رأي وكل نظرية، خصوصا النظريات الأجنبية فيما يخص الإسلام والمسلمين، لا سيما بعد أن عرفنا معرفة قاطعة سوء نوايا اغلب الباحثين الأوربيين حين يواجهون أمر الشرقيين الذين يكادون يفلتون من استعمارهم ولهم محاصرون.

إن البحث في هذه القضايا يثير البحث في وسائل الإثبات التاريخي ومناهج الرواية، وهل الطريقة الإسلامية المستندة على معرفة الرجال وتواريخهم وقيمتهم في الصدق والكذب وأنواع العلل، هي أسلم الطرق، أم هناك غيرها من الوسائل الجديدة التي تقوم على التحليل ومحاولة جمع الظروف التاريخية ومقارناتها ومقابلاتها يبعضها؟ أما عبده فانه بم يكتم إعجابه الكلي بأساليب المحدثين والمفسرين والإخباريين المسلمين، وإن كان في الوقت نفسه لم يتأخرعن الرغبة في اتباع الأساليب الحديثة في التحليل التعليل، والحق أن التحاليل الغربية على قوتها وعلى ما تعطيه من مساعدة في فهم التاريخ وتفسيره، وما تمنحه من مقدرة على الاستفادة من مختلف المستندات التاريخية، وما تربيه من ملكة الملاحظة والاستنتاج الشخصي، على الرغم من كل ذلك فإنها لا يمكن أن تعطي الدلالات القاطعة على صدق ما ترويه أو تستنتجه، وكثيراماتختلط فيها القوة الخطابية وبراعة الأسلوب، بالحقائق التاريخية، أما أساليب الإخباريين المسلمين فهي لو نقحت وهذبت لكانت افضل الوسائل لإثبات الوقائع على الوجه الصحيح، وأعظم دليل على ذلك أن ملة من الملل، وأمة من الأمم، لم تحتفظ من أخبار أنبيائها ومؤسسي دياناتها وكبار الشخصيات فيها بما احتفظت به الأمة الإسلامية في كل النواحي التي كان يهمها أمرها، ولولا تلك الطرق الرشيدة لما أصبح القرآن حجة ثابتة لاينازع احد ولا يماري على أنه هو الذي كان يتلوه محمد بتعبد الله على أصحابه، ولما أصبحت الأحاديث المتعلقة بالأصول والمسائل الضرورية ثابتة التواتر الذي ليقبل الدفع، بينما الصحيح من أخبار الآحاد واضح الثبوت بالقدر الذي يحتاج إليه موضوع الاحتجاج به، وهو غير

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٩١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٩١