تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تلك الحقيقة واجهتهم عند ممارسة العمل والاتصال بالأوساط الشعبية المختلفة، ومن شعورهم بنفور المغاربة من كل دعوة لا تمت إلى الدين، ولولا (رد فعل الظهير البربري ما كانت الوطنية بتلك القوة ولعل التفسخ الذي نشاهده في الحياة السياسية هو نتيجة لغياب (العامل الديني).

ولكن المشكلة القائمة الآن هي: كيف ستكون القيادة الجديدة التي ستقود هذا الشعب الذي أصبح أكثر إيمانا من ذي قبل بأن الإسلام هو الخلاص الوحيد من قبضة الأزمات الاجتماعية والانحرافات الخلقية التي ترجع إليها المسؤولية الكبرى عن الأمراض المتزايدة في مجتمعنا وعن كثير من المظاهر المؤلمة والسلوك المخجل.

إننا في أشد الحاجة إلى قيادة عقائدية ثقافية تتوفر فيها شروط الإيمان والإخلاص والعفة والنزاهة والتدبير والصرامة، والزهد والإيثار ونكران الذات، والوعي الصادق والعقل العلمي المنهجي، وإذا كانت الصين قد استطاعت أن تخلق من شعب دوخه الأفيون، وأنهكه الفقر، واعترته عوامل الانحطاط، وتسلط عليه الاستعمار والإقطاع والظلم ـ إذا استطاعت أن تخلق منه قيادة مكونة من أمثال "سن يات سن"، و"ماوتسي تونغ" وأمثالهما، فإن الشعب المغربي المسلم، لمتوفر على إمكانيات وخامات تستطيع أن تمدنا ـ لو توفرت بعض الشروط ـ بقيادة من طراز رفيع لا توفر أسباب السعادة لشعبها فحسب، وإنما تساهم في إسعاد البشرية بحظ كبير.

وقد حاولت مثل هذه القيادة أن تظهر بالشرق، إلا أن عوامل ذاتية وأخرى خارجية تعاونت على إخمادها وعرقلة دورها، غير أن الفكرة الإسلامية التي لها الفضل في إبراز تلك القيادات في فترات مختلفة من التاريخ ما تزال حية، نابضة بالقوة، خالدة خلود الإنسان، لا تعرف الوقوف ولا الجمود، فهي في حركة دائبة، تتطاير أنوارها من هنا إلى هنا، ولن تعرف الرجوع إلى الوراء أبدا ... لأنها فكرة منسجمة مع نفسها، منطقية مع عناصرها، لا تحتوي على تناقض ذاتي، أو تخلف عن تزويد البشر بما يحتاجون من المبادئ الإنسانية الثابتة، والتنظيم الرائع للمجتمعات على أسس من الاستقرار والثقة والفضيلة.

وإذا كان معظم تلك القيادات التي ظهرت في الشرق قد منيت بالفشل في بعض الميادين الرئيسية، فإن القيادة الإسلامية في المغرب يجب أن تتجنب عوامل الفشل، وأسباب الانحراف أو الاضطراب ومع ذلك يجب أن تستفيد من التجارب الناجحة لتلك القيادات التي كان لبعضها أكبر الأثر في تحويل تاريخ المسلمين فيما بعد الحرب العالمية الثانية تحويلا أفضى بهم إلى كثير من التحرر والاستقلال.

وقيادتنا الجديدة يجب أن تقدر رسالتها حق قدرها، وأن تعي الدور الخطير الذي ستقوم به في مغرب يعيش في عصر الذرة والصاروخ، عصر التخطيطات الاقتصادية والأنظمة العلمية، والتصميمات الثقافية، والاتجاهات الاشتراكية، وفي قارة عذراء تتطلع إلى مستقبل يضمن لها الحياة الحرة الكريمة، ولمبادئ تستلهمها في سيرها، وتستمد منها العون على تحقيق آمالها، وهي تبحث عن تلك المبادئ، وأن أصحاب التيارات العقائدية في العالم ـ ما عدا أصحاب الاسلام ـ ليحاولون أن يظفروا بتلك القارة ويسلكوها في أفكارهم وثقافتهم، وأن صراعا دينيا وثقافيا يشتد يوما فيوما في افريقيا السوداء، ولعل الأوضاع المريضة والفراغ الروحي في بعض المناطق، وعدم وجود دعوة للفكرة الإسلامية، يعمل كل ذلك على تهييئها لاعتناق نزعات خطيرة تهدد الفكرة الإسلامية في القارة كلها، ولهذا كانت القيادة الإسلامية الثقافية ليست ضرورية لإنقاذ المغرب المسلم فحسب، وإنما لإنقاذ افريقيا المتخلفة والمهددة باستعمار من نوع جديد وأقوى.

ومن أهم ما يحقق للقيادة الجديدة النجاح ـ زيادة على التقوى والفطنة والكياسة والحزم ـ أن تتجنب الأساليب السياسية البالية التي تسرف في الوعود، وتمني بالحقوق، وتخاطب الشهوات، وتشتري الضمائر، وتتعلق بالمظاهر، وتكتفي بالكم دون الكيف، وبالتكديس دون البناء، ولهذا يجب أن تربي نفسها على الصراحة في الحق ولو على نفسها، وعلى العمل الجدي المتواصل الذي لا تصرفه عن أهدافه كراسي، أو تزعزع نشاطه أماني، ويجب أن تربي المجتمع تربية جديدة أساسها القيام بالواجب وبذل الجهود، والشعور بالمسؤولية، وتقدير عظمة الرسالة، تلك التربية التي كان يسلكها الرسل مع أصحابهم، ويطبقها قادة الشعوب التي تلمع في

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٨٥٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٨٥٥