تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

التكسير راجع إلى اللهجات الإقليمية، ومعنى ذلك أن جماعة ما ألفت صيغة من صيغ الجمع لاسم معين، في حين أن الجماعة الأخرى جرى استعمالها لصيغة أخرى، وربما وجدنا صدق هذا في استعمالنا الحديث، ألا ترى أن عربية المغرب الفصيحة قد تستعمل صيغا في الجموع لم يؤلف استعمالها في عربية المشرق مثلا فأنت لا تجد من يجمع "الحمار" على "أحمرة" في المشرق في أيامنا هذه، ولكنك تجده على ألسنة التونسيين في كتاباتهم، والمألوف في استعمال المشارقة هو "الحمير" أما جمع "الحمار" على "حمر" فلم يعرف في لغتنا الحديثة وهو فصيح جاء في لغة التنزيل في قوله تعالى "حمر مستنفرة" ومثل هذا كثير.

وجاء في شواذ سورة الأعراف "الجمل" في قوله تعالى "حتى يلج الجمل في سم الخياط" بضم الجيم وتشديد الميم وفتحها، وهي قراءة ابن عباس، ومعلوم أن صيغة "فعل" من صيغ جموع التكسير بضم الفاء وفتح العين وتشديدها، لا يكون مفرده إلا "فاعل" مثل "راكع" وجمعها "ركع" في حين أن مفرد "جمل" هو "جمل" بضم فاسكان ومعناه الحبل، وقد قرأ أبو السمال بفتح الجيم وإسكان الميم.

ومن شواذ سورة طه قراءة عكرمة "اهس" بالسين في قوله تعالى: "أهش بها على غنمي".

ومن شواذ سورة الأنبياء قراءة ابن عباس "حضب" بالضاد في قوله تعالى "انكم وما تعيدون من دون الله حصب جهنم" وقرئ "حصب" باسكان الصاد، وقرئ "حطب" بالطاء.

ومن شواذ سورة الحج ما جاء في قراءة "صلوات" من قوله تعالى "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات" فكلمة صلوات قرأت في إحدى عشرة صورة وهي "صلوات" بفتحتين و "صلوات" بضمتين وهي قراءة أبي العالية والكلبي والضحاك و "صلوات" بضم وإسكان وهي قراءة جعفر بن محمد و"صلون" بضم الصاد فلام وواو ونون، و"صلوب" بالباء، و"صلوات" بفتح فاسكان، و"صلواث" بضم الصاد وإسكان اللام وتاء مثلثة في الآخر و"صلوثا" بثاء في الآخر من الف للاطلاق، والكلمة جمع صلاة وهي تعني الكنيسة في السريانية بخلاف ما ذهب إليه الزمخشري من أنها عبرانية في "الكشاف" وغير ذلك من الصور.

والذي يثبت هذا الذي نذهب إليه من دلالة هذه الصيغ على اختلاف استعمال الجماعات المختلفة، أو قل لهجات الأقاليم ما يوجد في اللغة الحبشية من صيغ جموع التكسير وانصرافها إلى الموضوع نفسه.

والقراء يختلفون حتى في موضوع الاعراب الذي التزم به جميعهم، فهذا يرفع ما ينصبه ذاك، وذاك يخفض ما يرفعه هذا. وقد حمل هذا على أنه خطأ من كتاب الوحي، فقد روى أبو معاوية محمد بن حازم التميمي السعدي المتوفى سنة 146 للهجرة عن أبيه عن عائشة أنها قالت "ثلاث أحرف في كتاب الله هن من خطأ الكاتب وهي قوله تعالى: "إن هذان لساحران" وفي قوله تعالى: "لكن الراسخون في العلم منهم والمومنون بما انزل إليك وما أنزل من قبلك، والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة"، وفي قوله تعالى "ان الذين ءامنوا والذين هادوا والصائبون"، وقد حقق النحويون في حديث عائشة حول غلط الكاتب، وحديث عثمان في قوله "أرى فيه لحنا" فاعتلوا لكل حرف منها، واستشهدوا بالشعر فقالوا في "ان هذان لساحران" هي لغة بلحارث بن كعب، وإشارة النحويين إلى هذه اللغة نكتة لطيفة، ذلك أن النحويين واللغويين كانوا كثيرا ما يصدقون هن موضوع اللغات الخاصة التي هي في اصطلاح اليوم اللهجات السائرة، فقد وسموا العنعنة والعجعجة والفحفحة وغير ذلك باللغات المذمومة وهي أشكال للمألوف الدارج من الاستعمال نطقا وتركيبا.

وقد أكثر هؤلاء من الاستشهاد بالشعر وربما كان ذلك أكثر من استشهادهم بالقرءان والحديث، ولعل الأصمعي أشد هؤلاء في اجتناب الخوض في مجاز القرءان، قال أبو حاتم سألت الأصمعي عن "الصرف" و "العدل" فلم يتكلم فيه، وقلت له هل معنى "الربة" الجماعة من الناس فلم يقل شيئا، لأن في القرءان (ربيون).

وهكذا فلغة القرآن تقدم نماذج لغوية جديدة ربما جهل أسرارها المسلمون الأولون كما أسلفنا في قوله تعالى "وحنانا من لدنا" فقد جهل ابن عباس ما المراد بالحنان، ومثل هذا "التسنيم" في قوله تعالى: "ومزاجه من تسنيم" وحار المفسرون في رد هذه الكلمة إلى أصولها فقالوا فيها أشياء كثيرة، وهذه الاستعمالات هي التي حفزت الأقدمين على الكتابة في موضوع المجاز القرءاني والألفاظ الإسلامية.

وهكذا يتبين للباحث الصابر أن القرءان من مصادر اللغة الأولى التي تكشف صورة عن التاريخ اللغوي الذي انقطعت عنا حلقاته الأولى.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٨٥٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٨٥٣