تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإن الربا في الجاهلية كان بعد حلول الأجل وعجز المدين، وأن المتعارف عندهم من الربا هو الربا الفاحش، والمعروف بالربا المركب الذي لا يقره أي قانون في الدنيا ولا ترضاه شريعة ولا دين، وذلك ما رواه أبن جرير ومجاهد وعطاء وزيد، واستنادا على هذه الروايات نجد الإمام محمد عبده يقول أيضا في تفسيره أن الثابت من السلف في تصوير الربا كله في اقتضاء الدين بعد حلول الأجل ولا شيء منه في العقد الأول، كان يعطيه المائة بمائة وعشرة أو أكثر أو اقل، ذلك رأي الإمام ولم كانت أية البقرة تنص على أن ما زاد على رأس المال فهو ربا (فإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون) وأنه لمن الظلم الكبير أن تستغل حاجة المحتاج فنفرض عليه عشرين في المائة مثلا في العقد الأول ثم لا ترى في ذلك حرجا ولا آثما ولا أربا، بل هو الربا بعينه يحرم بنفس السبب والعلة التي حرم بها الربا الجاهلي ..

ومما تقدم نعلم أن الربا المحرم قطعا ومن غير شك هو هذا الربا المتعارف لدى الجاهلية والذي وصفه الإمام أحمد بن حنبل حين سئل عن الربا الذي ش يشكل في فأجاب: هو أن يكون له دين فيقول له أتقضي أم تربي؟ فإن لم يقض زاده في المال وزاده في الأجل.

1 - ربا الفضل:

وهو القسم الثاني من الربا وقد استحدث بعد مجئ الإسلام وصفته أن يبيع الرجل جنسا بجنس مثله مع تفاضل، والأساس الذي بني عليه تحريم هذا النوع من الربا عند من يحرمه وهم الأغلبية من مشرعي الإسلام هو الحديث المروي عن رسول الله (ص) «الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والثمر بالثمر والملح بالملح مثلا سواء بسواء يدا بيد فإن اختلفت هذه الأصناف فيبيعوا كيف شئتم أن كان يدا بيد». وهناك من الصحابة رضوان الله عليهم من أحله وعلى رأسهم أبن العباس وأبن عمر وأسامة وتبعهم أبن القيم الذي قسم الربا إلى نوعين: ربا جليا ظاهرا وهو ربا الجاهلية، وقد حرمه الإسلام قصدا ولا يمكن لأحد أن يحله، وهناك ربا الفضل وقد حرم سدا للذرائع، فهو ربا خفي لم يحرمه الشرع قصدا ولكن حرمه خوفا من أن يؤدي بالناس إلى الربا المحرم، ويستند في قوله إلى أحاديث صحيحة عن الرسول الأكرم «لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين فإني أخاف عليكم الرماء أي الرباء» ومنها الحديث الذي رواه ابن جرير والبيهيقي عن ابن عمر: لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل سواء بسواء ولا تشقوا بعضه على بعض أني أخشى عليكم الرماء، وفي رواية أني أخاف عليكم الرماء .. فالحديث صريحة إذا في علة تحريم ربا الفضل وهي انقاد الحرام، كما أن هناك من الأحاديث ما يحصر الربا في ربا الجاهلية فقط كقوله (ص) فيما رواه الصحيحان، إنما الربا في النسيئة، وبناء على ذلك وتحقيقا للمصلحة وتخفيفا على المسلمين فقد أحل أبن القيم ربا الفضل وتبعه على ذلك الإمام محمد عبده، والمراغي وكثير من علماء المسلمين ..

ولكن اعتقد أن ربا الفضل الذي حرمه الإسلام إنما حرمه قصدا ولا يمكن لأحد أن يحله لما فيه من إجحاف وظلم، وهل يمكن لأحد أن يشتري جنسا بجنس مثله لا يختلف عن الأول لا جودة ولا قيمة، زيادة على إلا أن يكون مضطرا أو سفيها ويكون البيع عندئذ زائفا تستر به للوصول إلى الربا والإثراء على حساب الغير ويكون التحريم فيما اعتقد مقصودا لذاته في ربا الفضل لأنه تدخل من الشارع لحماية المضطر والسفيه اللذين لا يصح منهما بيع .. وأما أن كان التفاضل في الجنس الذي تتفاوت أنواعه وتختلف أصنافه من حيث الجودة والقيمة فلا تحريم مطلقا من التفاضل بينهما لقوله (ص) فإن اختلفت الأصناف فبيعوا كيف شئتم، ولأنه لا يعقل أن تحمل الناس على أمر لا يعقل فندفعهم إلى التحايل وإلا فكيف يجوز أن

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٧٤٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٧٤٧