- أنصت، يا محمد، كن معي صريحا، أنني لما فتحت لك الباب، لم يكن وجهك عاديا .. لقد كان في علمك شيء .. وبعد، فهل في الأمر ما يستوجب الكتمان؟. نعم، إني أريد أن افر ..
- أنصت. لا صالح لنا في هذا اللف والدوران .. نعم أني جئتك لامر معين .. جئت انقذك، لقد قيل لي أنك في خطر.
***
فضحك ضحكة عصيبة وقال لي بلهجة النصيحة: لا تقل في حياتك سرا لامرآة، لقد خلق النساء لمحو الاسرار من الوجود، انهن يردن عالما شفافا ليس فيه زاوية مظلمة .. قل لي، هل تعتقد المرأة قادرة على الحب؟ إياك أن تغلط أو تغالط نفسك .. إن المرأة لا تحب في الرجال إلا خيالاتها وأوهامها، انظر «جوليا» هاته التي قالت لك أني في خطر والتي أوشكت أن أتزوجها، لقد كنت حقا أحبها وأعطف عليها، وكنت عندما خبرت الامر، وجدتها تحب شخصا آخر يتقمص في جسمي، إنها تحب في ما تسميه «مثلها الاعلى» إنها تحب شخصا لا وجود له إلا في خيالها وتسعى بحركاتها وسكناتها وبكلماتها وإيحاءتها في أن أصبح أنا ذلك الشخص .. زراتني أمس، ووجدتني في حالة ظاهرة من القنوط والسآمة .. وكنت انتظر منها أن تتفهم حالي وأن تنظر إلي ولو مرة نظرة الواقع وتقول لنفسها: هذا انسان من لحم ودم يفرح ويحزن، ويتألم ويلتذ، ويكون تارة ضعيفا وتارة قويا، فيجب علي أن احبه كما هو .. هل تعتقد أن ذلك خطر على بالها ولو لحظة؟ ابدأ، إنها تقبل ما أقول كأنني حكم لا يغلط ولا ينطق عن الهوى؟ .. فهي تعتقد أني شخص متفوق ولا تحسبني إلا هكذا .. قل لي، إليست هذه حالة تعيسة؟ .. أو ليس من سوء الحظ أن يكون الحب مبنيا على عدم تفاهم كهذا؟
- حقيقة .. لكن ماذا حصل من بعد؟
- ماذا حصل؟ حصل أني أخذت أجود عليها بهذه النصائح المتعددة عن كل ما تسألني عنه ... وصرت أتكلم، ولا أجد أمامي أية مقاومة، وكم كنت أود أن ينبع بيننا شخص ثالث يفند ما أقول ويناقشني .. ولكنني، في النهاية، شعرت بأنني حانق على «جوليا» كاره لها، وبدأ لي أني اتكلم في الفراغ، فصحت في وجهها بغتة: قولي شيئا .. ما بالك صامتة؟ ولم تنصتين إلى هكذا وتثقين بما أقول؟ .. أنصتي، يا جوليا، انتهى الامر بيننا .. إني لا أستطيع أن أراك ثانية .. فلنفترق من الآن .. أنني لا أحبك ولا أستطيع ذلك .. دعيني اتنفس الهواء وانصرفي عني.
كان وجهها يتنقل بين الاحمرار والاصفرار، ثم اندفعت تشهق وتبكي، بينما أنا لا انفك أصيح في وجهها أن تذهب .. وبدت بالفعل تجمع دموعها، وقامت وهي تتعثر في أذيالها، وتستعجل، ثم عادت العبرات تسيل من جديد، ولكن في صمت، وهمت أن تخرج، ثم التفتت إلي فرأتني مطرقا .. فوقفت برهة، ولم تنس أن تخرج من حقيبتها أدوات التجميل وتقوم بواجبها نحو الوجه ..