نفائس أعماركم من تكديس المال واقتناء العقار فلربما كان ما تبقى من عمركم غير متسع للاستمتاع بما اكتسبتم، فلن تترددوا في الجواب قائلين في صراحة: إن رغبتنا في إسعاد أولادنا بالمال ولو بعد مماتنا، لا تقل - إن لم ترب- عن الرغبة في إسعاد أنفسنا نحن بما استفدناه من الثروة.
أيها الآباء والأمهات الشفقاء، أرأيتم لو فرضنا أن فريقا من الآباء خلفوا لأولادهم القناطير المقنطرة من الأموال والكراع، وورثوهم كل شيء يعتقدون أنه من مرافق العيش وعوامل الترف ومهدوا لهم جميع السبل التي تنهال منها عليهم كل أضراب الماديات ووضعوا في أيديهم مفاتيح مراتع الشهوات وكانوا مع ذلك لا يقيمون وزنا لصالح أو فساد فطرهم، ولا يهمهم إن نشأوا نشأة صالحة أو طالحة ولا يبالون بما إذا تربوا على حب الأنانية والأثرة والتخلق بأخلاق الكبرياء ورذيلة العجب والرياء والنظر إلى الغير نظرة احتقار وازدراء، وهم مع ذلك دائبون في تلبية رغباتهم الحيوانية وإرضاء شهواتهم الشيطانية بفضل ما اكتسبه لهم آباؤهم من مال ويسروا لهم من السبل، ثم فرضنا أن بجانب هذا الفريق من الآباء فريقا آخر رأى أن السعادة على هذا الشكل - إنما هي سعادة مزيفة فهي ظل زائل ومتاع قليل، بل هي طريق الشقاوة الدائمة، والنكد المؤبد، فليس من شفقة الآباء أن يغروا بها أولادهم، ويستدرجوا عليها أكبادهم، فاقتضى سديد نظرهم أن ينتجعوا لأولادهم السعادة الحقيقة المثلى، سعادة لا تعقبها شقاوة ولا يكدر صفوها ندامة، فسلكوا في تربية أبنائهم مسلكا حكيما وربوهم تربية صالحة ووجهوهم توجيها مستقيما وأبقوا على فطرهم النقية، وحافظوا على مقوماتهم الإنسانية وقد أحكموا الحراسة من أن تتسرب إليهم جراثيم الإفساد، ومكروبات تدنيس الطباع، ووقوه من تأثير قرناء السوء ورشحوه للمحافظة على أداء واجباته الدينية وأنشأوه على حسن السلوك مع أقاربه وجيرانه والناس أجمعين وزرعوا في قلبه بذور حب الخير وفعله لدينه ووطنه والتضحية لإنقاذهما والذود عنهما وزينوا في نفسه النفع لإخوانه وبني جلدته واحترام حقوق الغير وكرهوا إليه رذيلة الحسد والأنانية والأثرة والكبرياء والعجب وغمط حقوق الناس وسائر المساوئ.
انظروا بعين البصيرة أيها الآباء أي الفريقين أحسن لأولادهم نفعا وأقرب رحما، أيها الآباء والأمهات لكم أن تعتقدوا أنه بحسب أولادكم أن يستفتحوا أبواب العيش المادي إذا حملوا شهادات علمية وكرعوا من مناهل الثقافة والعرفان وقد فتح في وجوههم أبواب الوظائف، وصاروا من ذوي المقدرة على تنمية المال واكتسابه بالأساليب التجارية والصناعية أو الفلاحية وأمسكوا بناصية المادة، ولكم أيها الآباء أن تعتقدوا أنهم سيكونون في بحبوحة من العيش المادي وأضرب من الترفه ولمعلميهم وأساتذتهم في المدارس أن يشاطروكم في اعتقادكم ذلك، غير أنه ليس لهم وليس لكم أن تعتقدوا أنه كان ذلك أيضا سد بينهم وبين التعاسة وأضرب الشقاء والعيش النكد، وأنهم ولجوا بابي حظيرة الهناء والسعادة إلى الأبد.
ولا نخال معلمي أولائك الأولاد وأساتذتهم فيما لقنوهم من المعلومات الجافة التي لا صلة بينها وبين ترقية النفس وتهذيبها وفيما ساعدوهم على حمل الشهادات الرسمية ولا نخالهم إلا كمن ساعدوا اللصوص على أساليب الاحتيال ومكنوهم من الأسلحة للسطو والاستيلاء على أموال الناس، إلا إذا زودوهم برصيد من التربية المثلى، ودربوهم على مكارم الأخلاق وساعدوهم في تنمية كيانهم المعنوي وعلموهم بسلوكهم أولا وبأقوالهم ثانيا كيف يحافظون على واجباتهم الدينية وحموا فطرهم الطاهرة من التدنيس والتنجس بالأفكار الإلحادية ومن التوجيهات الاستعمارية، تلكم التوجيهات التي لا تألو جهدا في صرف أولادنا عن قوميتهم ولغتهم وعن دينهم الذي هو منبت عزمهم وأكاليل مجدهم وطريق سؤددهم، تلكم التوجيهات الاستعمارية التي لا يريد لنا من ورائها الاستعمار إلا المسخ حتى لا نفتر عن التسبيح بحمده ولا نعترف بمجد غير مجده ويسره أن نقطع كل صلة بشرف ماضينا ونجعل من أنفسنا -إن رضي- أذنابا له أو نشكل قطعا من حيوانات الغاب التي لا صلة بينها تربطها ولا علاقة تجمعها حتى يسهل عليه اصطيادنا بسهولة واطمئنان متى شاء وكيف أراد، لا نقوى على رد عواديه ولا درء كيده. اللهم تدراك الأمة المحمدية بعنايتك ولطفك.