دعوة الحق، س.5، ع1 /نونبر1961 .................... ص 52
نحو ثقافة تسمو بنا
للأستاذ محمد العربي الهلالي
إننا نحتاج إلى تلك الثقافة التي تسمو بما إلى المثالية الصادقة، وتنتهي بنا إلى الكمال البشري الذي يضمن لنا سعادة الحياتين، ولن نجد مثل تلك الثقافة إلا في التعاليم الإسلامية، إذا طبقت التطبيق النافع بأسلوب مفيد يتلاءم مع زماننا وأهله، وبشرط أن يراعي في ذلك التناسب والتوزيع الصحيح، ويعطي لكل طبقة من المتعلمين ما يناسبها، وما نحتاج إليه بمقادير وطرق معينة تتفق مع أقسام التعليم وطبقات المتعلمين وأطوارهم وأعمارهم ومؤهلاتهم، ولست أعني بالتعاليم الإسلامية فنا خاصا أو موضوعا من الموضوعات العلمية، بل أعني بذلك كل فن عرفه الإنسان منذ البدء، وكلما سيعرفه في المستقبل مما يفيد الإنسان في إحدى حياته الأولى والأخرى، أو في كلتيهما، بدون تحديد أو تخصيص، لأن الإسلام نظام ثقافة وعلم لا يقف من ذلك عند حد أو غاية، وكيف وهو الذي يقول: «وقل رب زدني علما» ويقول: «وفوق كل ذي علم عليم» -فالثقافة التي نعنيها، والتي نحتاج إليها هي الثقافة البشرية الواسعة، الثقافة التي لا تنتهي بزمان معين، ولا تنحصر في مكان خاص، ثقافة الإبداع والتفنن والاختراع والزيادة والتنوع على ممر الأزمان لتزداد في كل يوم علما، إلا أنه لابد لهذه الثقافة من أسس ثابتة ودعائم قوية من الدين، مشربة بروح الإسلام، مؤتمرة، بأوامره، واقفة على نواهيه، لأن الإسلام هو النظام الوحيد الذي يسير بالنفس البشرية إلى أقصى ما يمكن أن تصل إليه من الرقي وسمو درجات المثالية التي تجعل من الإنسان مخلوقا طاهرا، وآدميا مكرما، يصلح أن يحيا حياة الخلود والرفعة في عالم الخلود مجاورا الله وكرام عباده في أعلى طبقات العوالم العلوية، متمتعا بما يصبو إليه وبما خلق لأجله من السعادة والهناء الدائم المشار إليه في قوله تعالى: «فلا تعلم نفسه ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون». وماذا كانوا يعملون حتى استحقوا ذلك، كانوا يتآمرون بالمعروف ويتناهون عن المنكر، ويتواصون بالحق، وبالصبر، وكانوا يصدقون في وعودهم إذا وعدوا وفي حديثهم إذا حدثوا، ولا يكذبون، ويحفظون الأمانة ولا يخونون، ولا يقتلون النفس التي حرم الله ولا يزنون، وكانوا صالحين مصلحين، يضمرون الخير ويحبونه ويفعلونه، ويكرهون الشر ولا يضمرونه، أولئك الذين هدى الله وحبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم، وكره إليهم الفسق والعصيان، أولئك هم الراشدون، فضلا من الله ونعمة، وأولئك الذين تسابقوا وسبقوا إلى المثالية فأدركوها، وبلغوا قمتها، وتنافسوا في الخيرات وتسارعوا إليها فأوتوا ما رأسوه منها، وكانوا عباد الله المخلصين الذين يتبعون نظامه، ويحافظون على أمانته في أرضه وخليقته فكانوا رحمة للناس لا يريدون في الأرض علوا ولا فسادا، بل لم يريدوا إلا الإصلاح والعمران، لأنهم تتثقفوا بتلك الثقافة الصادقة التي اختارها الله لتثقيف عباده، وتكوين أحسن وأصلح نموذج يكون قدوة صالحة ومثالا للناس يحتدون حذوه، ويسلكون طريقه إذا أرادوا الوصول إلى السعادة الدائمة بطريق لا عوج فيه، وهذه هي الثقافة التي نحن في اشد الحاجة إليها، ثقافة الخلق الطاهر وتزكية النفس، وتنقيتها من أدرانها المادية والمعنوية، والسير بها إلى ما يسمو بالإنسانية، ويرفع مستواها إلى أعلى عليين، وينقذها من ويلاتها ويشفيها من أسقامها وآلامها التي ما فتئت تتخبط فيها ينقذها من ورطة البوار والدمار، ينقذها من الأنانية والعنصرية، وتعالي الإنسان على الإنسان، ومن بطش القوي بالضعيف ومن التفاني وسفك الدماء البشرية البريئة بدون حق سوى العتو والنهب والسلب واستعباد الأحرار وتسخيرهم تسخير البهائم بغيا وعدوانا.