تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

التي تختفي بوجودها أخطر المشاكل، ولا ننكر أن المجتمع الإنساني المثالي لا يخلو من تضارب المصالح الفردية، ولكن السيطرة الروحية التي تنتظم جميع أفراد المجتمع وترتبط بضمائرهم وأخلاقهم وأفكارهم كفيلة بحل تلك المشاكل على نحو مرض وجميل بصفة عامة.

فمجتمعنا يسوده التفكك في العلاقات الاجتماعية لأنها لم تعد تستند على مثل عليا مشتركة وإنما أصبح كل فرد يسعى لتحقيق ما يشبع (شهوته) وأغراضه الخاصة، ولا أعني انعدام كل نزعة اجتماعية وإنما هذه النزعة لم تعد قوية بحيث يكون لها تأثير بارز وشامل، فالمجتمع أصبح مكونا من وحدات فسنجدها خاضعة لسحر ((الأشياء)) وصارفة طاقاتها في مختلف الميادين للاستيلاء على ((الأشياء)) وتحقيق ((المثل)) المادية التي فرضتها علينا حضارتنا الشيئية - حسب تعبير مالك بن نبي- لإشباع حاجات محدودة لا تسهم في نهضة الأمة ولا تنشط حركتها، وإنما تكثر من سلعها الاستهلاكية وتكدس من تلك السلع هنا وهناك.

وهكذا أصبح للتنافس ميادين مادية صرفة وأصبحت المواهب مشدودة بتحقيق نوع من الحياة الخاصة يشبه من ناحية الشكل تلك الحياة الخاصة التي نشاهدها - من الخارج- عند الأوربيين المترفين.

ومن الواقع الذي لا مفر منه وجود حيرة وبلبلة في الاتجاهات والأهداف وأن المسيطر علينا هو لاتجاه الغربي الذي يحارب كل مسعى نحو تهيئ الفرص للتفكير الجدي في إيجاد تيار مغربي ينبثق من ضمير الشعب وتاريخه وعناصره النفسية، ولهذا الاتجاه بعض العذر.

وبسبب تلك الحيرة أصبحنا نرى أنماطا مختلفة من السلوك والحياة، وتفككا اجتماعيا سائدا، واختلالا في المقاييس واختلافا في المشارب .. وما تزال وضعية المغرب التعليمية والاجتماعية والسياسية تساعد مساعدة قوية على نمو هذه المظاهر وترعرعها. وذلك كله طبع مجتمعنا بالسلبية وأصبحت هذه السلبية تواجهنا في كل أمر من أمورنا، ولا نستغرب إذن أن وجدنا النوايا الطيبة والمشاريع الخلابة تموت فور وجودها لأنها تفتقر إلى شروط الحياة، إلى محيط خاص وهو محيط الثقافة.

وبروز تلك الظاهرة كان تماما على حساب ظاهرة طيبة كانت تسود أيام الاستعمار، والظاهرة هي السيطرة الروحية التي كانت القاسم المشترك بين المواطنين، مما دفع الأمة إلى التضامن والتعاون والثقة وتحقيق الأهداف التي رسمت لهم.

ولولا بعض عوامل التمزيق الداخلية التي كانت تصاحب وجود تلك الظاهرة وتؤثر عليها وتجزئها لأعطت نتائج أعظم من التي رأيناها أيام كفاحنا مع الاستعمار، ولكتب لها النمو والاستمرار ولكن هذه الظاهرة لفظت نفسها أو كادت عندما رزئت (بالهوى) وبما خيب الآمال وصدم الأماني والأحلام.

ولكن هذا لا يمسنا إلى قبضة اليأس وسجن القنوط فليس من شيم المومنين ذلك، وما ينبغي لهم أن ييأسوا من رحمة الله، ولنا في الخميرة الروحية التي ما تزال مستقرة في أعماق الشعب المومن خير مشجع على ضرورة تلمس طريق الخلاص وتخطي هذا الحاضر نحو مستقبل يحقق للأمة ما كانت تصبو إليه من قبل.

الخلاصة هو الثقافة:

فما الحل إذن، لنصل إلى المستوى الذي نريد، ونحقق الآمال التي من أجلها كنا نسعى، فنوحد المشاعر والعواطف والأفكار، ونمتن الروابط على أساس حضاري يكون لنا الإطار العام الذي يغذينا بكل نزعة خيرة وميل كريم، ويتعهد بطبع الأجيال الصاعدة بطابع الثقة والوفاء والإصرار على البناء؛ والضمير الحي وبالمعاني السامية والإحساسات الجميلة؟ إن الحل في الثقافة .. أي أن نصبح مثقفين .. ولعل البعض يرد فور قراءته هذا السطر بقوله: أننا مثقفون .. أو على الأقل عندنا طبقة مثقفة لا بأس بها، ومع ذلك فإن الخلاص ما يزال بعيدا .. بل قد يزيد قائلا: أن معظم البلاء جاءنا من هؤلاء المثقفين. ولقائل ذلك عذره ما دامت الثقافة في عرفه هي العلم وقراءة الصحف وحيازة الشهادات ..

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٥٨٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٥٨٤