دعوة الحق، س.5، ع1 /نونبر1961 .................... ص 16
عندما يصبح الأدب في خدمة الشعب
للأستاذ إدريس الكتاني
في القرن العشرين، هذا الذي نعيشه اليوم، حيث يقدر كل شيء، حتى العلوم والفنون، بمقدار الفائدة التي ترجى منه لأكبر عدد من الناس، يجب أن نتساءل أولا، ونحن نتحدث في موضوع الأدب، الأسئلة التحديدية الأساسية:
ما هي وظيفة الأدب؟
من يؤديها؟
ولمن يؤديها؟
وللجواب عن هذه الأسئلة، نجد أن وظيفة الأدب قد تطورت منذ عصور الحضارة التقليدية، إلى عصر الحضارة الصناعية الحديثة تطورا كبيرا. كان الدب يستعمل أداة لخدمة بعض الأغراض الشخصية، والتعبير عن أنواع من العلاقات والمشاعر والصفات الإنسانية، وانتهى أدب الفخر والمدح والهجاء والرثاء، ليصبح في عصر الطباعة والصناعة أداة عامة لتلبية الحاجات الفكرية المختلفة للملايين من الناس. وخدمة الأهداف والمذاهب التي تومن بها الملايين من الناس. وكان يقوم بهذه الوظيفة الشعراء والخطباء والكتاب. فأصبح يقوم بها اليوم، فضلا عن هؤلاء، القصاص والنقاد والروائيون والمسرحيون وغيرهم. وكانت هذه الوظيفة تؤدي لفائدة نخبة محدودة العدد من طبقة المثقفين أو المترفين أو الأمراء، وأصبحت اليوم في خدمة الملايين من قراء الكتب والصحف، ونظار التلفزيون، ومستمعي الإذاعات، من جميع طبقات الشعب، وهذا يعني أن وظيفة الأدب اليوم، قد تطورت واتسعت آفاقها وميادينها عما كانت عليه بالأمس، كما تغيرت تبعا لذلك شروط القائمين بها، وتضخم عدد المنتفعين منها.
وعلى ضوء هذه الحقائق يجب إن نتساءل مرة أخرى: ما هي الغاية من وجود أدب مغربي في الفترة التاريخية الحاضرة؟ وهل لا تزال هي نفس الغاية التي كانت في القرن الثالث عشر مثلا؟!.
بعض الأدباء لا يزالون -مع الأسف- يعتقدون ذلك، لأنهم ما فتئوا يعيشون في إطار عقلية الأدب القديم. فالأديب الذي يعيش لنفسه، يقول الشعر في مناسباته ويقضي الوقت مع ندمائه وخمرياته، وينسى العالم من حوله، ولا يعبر أدبه عن حياة مواطنيه، عن آلامهم وآمالهم، عن أفراحهم وأحزانهم، هذا الأديب لا يمثل إلا «أدبا متخلفا» لا ترضاه الشعوب التي تومن بالتطورات لأنه لا يساهم معها، بصورة أو بأخرى، في محاربة التخلف، وإنما هو «يجتر» موضوعات الأدب القديم اجترارا.
إن صديقي الأديب الشاعر سليم حيدر قد لا يتفق معي في هذا الرأي، وقد يعتبره خلطا بين الأدب والسياسة، لأن الأديب عنده يجب أن يظل حرا لا يلتزم بمذهب أو باتجاه معين، وهو يرى أن وصفا رائعا لوردة جميلة، قد يخدم اللغة العربية، وهذا صحيح من وجه، غير صحيح من الوجه الآخر، فحرية الأديب الفكرية مبدأ محترم نومن به، ولكن الأديب الحر يفترض فيه الناس أنه أكثرهم حساسية بإنسانيته، وأكثرهم قدرة على التعبير عن خلجاتها ومشاعرها العميقة، وهو بهذا الاعتبار، يتحمل في نظر الناس مسؤوليات قومية وإنسانية ووطنية، أكثر مما يتحملها غيره من المواطنين بوصفهم أعضاء في مجتمع خاص. أن هذه المسؤوليات الأدبية من شأنها أن تقلل من حريته المطلقة، وتفرض عليه نوعا من «الالتزام» في أداء وظيفته الأدبية، والقيام بدوره «الخاص» في المجتمع. ولست أنكر أن الأديب الذي يبلغ غاية السحر في وصف الغادة الهيفاء، والوردة الحمراء،