تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.5، ع1 /نونبر1961 .................... ص 06

الإسلام والمدنية الحديثة

لفضيلة الأستاذ عبد الله كنون

كان الكتاب الذين قيضهم الله في مبدأ هذا القرن للدفاع عن الإسلام والمنافحة عن شريعته يجعلون مظاهر المدنية الحديثة وقوانين الاجتماع العصري هي مقياس النهوض والتقدم وغاية النجاح والفلاح، ثم يعمدون إلى شريعة هذا الذين الحنيف ونظمه السياسية والمدنية يوفقون بينها وبين تلك المظاهر ويلحقونها بهاتيك القوانين على دعوى أن بينهما وشيجة نسب ولحمة قربى تجعل الفارق بينهما معدوما والمشابهة قوية جدا، فالإسلام هو روح المدنية، والمدنية الحديثة بالقصد، وإذا كان هناك ما لا يثبت أمام هذه المدنية فهو النصرانية لا الإسلام، وهكذا يمضون في المقارنة والتطبيق وغاية قصدهم وجل مرادهم أن يساير الإسلام ركب الحضارة الغربية، ولا يتخلف عنها في شيء.

أما من يفكر في أن الإسلام دعوة أسمى وأعلى من أن تنزل إلى هذا الحضيض الأسفل من مسايرة هذه المدنية الهلوك وأنه نظام قدسي النزاعات فمدنيته هي المدنية التي تكفل سعادة البشر فمن حقها أن يحكم بها ولا يحكم عليها فهذا قليل من قليل.

وأما من يفكر في أن النصرانية هي الإسلام شيء واحد لأنها مثله دين سماوي جاءت لتعديل الانحراف الذي وقع في اليهودية التي هي أيضا دين سماوي، كما جاء الإسلام لتعديل النصرانية المنحرفة بموجب قوله تعالى: (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه) فهذا أندر من النارد، ولعل الاستدلال على أن الأديان الثلاثة أصلها واحد ونابعة من عين واحدة هو مما لا يعوز باحثا في أصول الأديان ويكفي المسلم في ذلك قوله تعالى: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه)، وبناء على ذلك فإن كل طعن يوجه إلى الإسلام وشريعته هو أيضا طعن على النصرانية ولم تنقض منها شيئا، فقد ثبت عن سيدنا عيسى عليه السلام أنه قال: «ما جئت لا نقض الناموس، الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس» والمقصود بالناموس هنا الشريعة الموسوية.

وبهذا النص من الإنجيل احتججت على أحد الرهبان الاسبان كان راكبا معي في القطار الذاهب إلى مدريد، وانجر بنا الحديث إلى قضية الدين وكان أن أقنعته بالمنطق والبرهان في كثير من المسائل التي أوردها على وهو يرى أنها مطاعن لا تقبل التأويل ولا الرد، حتى أورد مسألة تحريم أكل لحم الخنزير فجادلته بكونه مستقذرا لأكله القمامة، وبكون ضرره ثابتا طبيا لما يولده من الديدان الشريطية، ولاسيما الدودة الوحيدة الخطرة فقال: إن الطب الحديث قد قضى على هذه الأوهام كلها، وضحك ضحكة منكرة وقال: لو أن محمد ذاق قطعة لحم من فخذ خنزير لما حرمكم من لذة أكل لحم هذا الحيوان الذي هو من أطيب اللحوم، فقلت له أننا نتذاكر في دائرة الأوامر الدينية من حيث مطابقتها للعقل والمصلحة، ومسألة تحريم أكل لحم الخنزير ليست خاصة بالإسلام فهي من قضايا دينكم أيضا وما يلزم عليها في الإسلام فهي من قضايا دينكم أيضا وما يلزم عليها في الإسلام يلزم عليها في النصرانية فقال محال، أن ديننا لا يحرم أكل لحم الخنزير فقلت له بلى، إنه يحرمه، واستدللت عليه بكلام السيد المسيح المتقدم، وقلت له: ما دام لحم الخنزير محرما في شريعة موسى فهو محرم عليكم بهذا الدليل، ولم يثبت أن سيدنا عيسى عليه السلام أكله، فلم يحر جوابا.

ومثل هذا يقال في مسألة الطلاق وتعدد الزوجات فإنهما معا من شريعة التوراة وقد جمع الأنبياء الأولون

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٥٦٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٥٦٤