تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

- وقد طارت انباؤه إلى سيتة وطنجة وما جاورهما - عبر سيل من المجاهدين المتطوعين. وزحف طارق بجيشه شمالا، وكانت الخطة بشؤون هذه البلاد - أن يسير طارق بنفسه إلى طليطلة عاصمة المملكة القوطية، وان يذهب مغيث الرومي، مولى الوليد بن عبد الملك إلى قرطبة، في سبعمائة فارس، فخرج طارق من استجة، وسار ببقية الجيش، وبمعيته يليان واصحابه، مخترقين هضاب الاندلس، وكان القوط قد استولى عليهم الذعر، ففروا منها نحو الشمال، فاستولى عليها طارق بدون كبير مقاومة.

وهنا يرى يليان - وقد نجح في مهمته الحربية ايما نجاح - يقوم بدور سياسي هام بين المواطنين القوط، ويحقق ما كان يشيعه للعرب من العدل وروح التسامح، ويحاول ان ينفذ المواعيد التي كان قطعها لاصدقائه انصار الملك السابق.

وفعلا فقد ابقى طارق على من بقي بالمدينة من السكان، وترك لهم الكنائس، وابقى للاحبار حرية اقامة الشعائر الدينية، واباح للنصارى من القوط والروم - اتباع شرائعهم وتقاليدهم ... واختار لحكمها وادارتها اوباس اخا الملك السابق والصديق الحميم ليليان. كما رد على ابناء وتيزا ضياعهم، والاملاك التي كان اغتصبها منهم رودريك ثم تابع طارق زحفه نحو الشمال، فاخترق قشتالة ثم ليون، في وهاد ومفاوز صعبة، واستمر في سيره حتى اشرف على ثغر خيخون الواقع على خليج "عسقونية" فكان خاتمة زحفه ثم عاد إلى طليطلة، حيث تلقى اوامر موسى بن نصير يوقف الفتح حتى يلحق به. وتختلف الرويات في البواعث التي حملت موسى على ذلك. وربما كان يخشى ان ينكب المسلمون اذا ما اوغلوا في جهات مجهولة.

وايا كان فقد عبر موسى البحر إلى الاندلس، في عشرة الالف من العرب، واثنى عشر الفا من البربر في سفن صنعها خصيصا لذلك، يحفزه شغف الفتح بالرغم من شيخوخته وكبر سنه. وقد سارع يليان لملاقاته، وكان نزوله في ولاية الجزيرة الخضراء وهناك وضع موسى - وبمعيته يليان - خطة حربية محكمة، فبدا زحفه بالاستيلاء على مدينة شذونة، ثم سار إلى قرمونة، وهي يومئذ من امنع معاقل الاندلس، فاستولى عليها - بمساعدة يليان واصحابه. وقصد بعدئذ اشبيلية اعظم قواعد الاندلس فافتتحها بعد ان حاصرها شهرا، ثم سار إلى ماردة وحاصرها مدة، وقتل تحت اسوارها عدد كبير من المسلمين، وانتهت بالتسليم في رمضان سنة 94هـ.

وبعدئذ قصد طليذلة فالتقى بطارق، وقد جاء لاستقباله، فانبه في اهانته ولكنه ما لبث ان عفا عنه ورده إلى منصبه (1).

وفي قصر طليطلة اجتمع الاثنان وبجانبهما يليان، ووضعوا خطة مشتركة لافتتاح ما بقي من الاندلس، فكان الزحف اولا نحو الشمال الشرقي، فاخترقوا ولاية ارجوان وافتتحوا سرقسطة، وبرسلونة وغيرهما من المدائن والمعاقل. ثم افترق الفاتحان فسار طارق نحو الشرق، ليغزو جليقةـ وليتم القضاء علىفلول القوط. وسار موسى شمالا فاخترق جبال البرنية، واستولى علىقرقشونة، واربونة، ثم نفذ إلى مملكة الافرنج. وهكذا تابع كل منهما مسيره، وكانت فتوحهما شبه نزهة، - إلى ان جمع بينهما كتاب ورد من الوليد بن عبد الملك يستدعيهما إلى دمشق، ويامرهما بتعجيل العودة. ولعل الحامل للوليد على ذلك - خوفه ان يستقل موسى بذلك الملك الجديد النائي. ومهما بحثنا عن الاسباب والعلل في ذلك - فان عمل الوليد هذا يعتبر من اكبر الاخطار على مستقبل الاسلام في الاندلس.

وقد نظم موسى - وهو يتاهب للرحيل - حكومة الاندلس، وجعل حاضرتها اشبيلية، واختار لولايتها ولده عبد العزيز، واستخلف على المغرب الاقصى ولده عبد الملك، كما استخلف على افريقيا عبد الله اكبر اولاده.

وفي شهر ذي الحجة سنة 95هـ - اغسطس 715م - قفل موسى راجعا إلى المشرق، وطارق معه، وفي ركبه من نفيس التحف والغنائم مالا يعد ولا يحصى ...

1 - عنان - دولة الاسلام بالاندلس

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٥١٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٥١٨