ولندع الموكب يسير وئيدا، سالكا طريق البر من الاندلس إلى شمال افريقية - فالشام. وقد اشرابت الاعناق في دمشق وغير دمشق إلى رؤية موكب الظفر والنصر، ولكن كيف كان استقبال بلاط دمشق للفاتحين الخالدين؟ وكيف كان مصيرهما؟ وماذا كانت نهاية يليان الساعد الايمن لهما؟
الواقع ان الرواية التاريخية لا تلقي اضواء كافية في هذا السبيل، وان المؤرخين يكادون يجهلون كل ما دار في شانها ببلاط دمشق. والشيء الوحيد الذي تكاد تجمع عليه كلمتهم هو انهما لم يلقيا الجزاء الحق، وخصوصا موسى فانه غمط حقه وفضله اشنع غمط.
اما يليان، وكيف كانت نهايته، فذلك ما تمر عليه الرواية الاسلامية بالصمت. وكل ما هناك انها تشير إلى انه ظل اميرا على سبتة، وبقى عل نصرانيته إلى ان مات فورث عنه عقبة الامارة على سبتة، ومن ايديهم اخذها العرب لهما (1).
ثم دخل عقبة في الاسلام وكان منهم فقهاء مبرزون في مذهب مالك (2).
ثم بعد ذلك لاتحدثنا الرواية بشيء، ولا تذكر متى توفي؟ وكيف؟
والمحتمل انه مات حتف انفه، في حدود المائة بعد الهجرة.
وتقول الرواية الكنيسة الاسبانية - تشفيا منه - انه قتل بيد مواطنيه (تعني القوط) - في معركة نشبت بينه وبينهم، أو انه قتل بع ذلك في ولاية الحر الثقفي بيد العرب، لربة في ولائه، وزادت تقول: ان العرب اعدموا ابني وتيزا وافراد اسرته" (1) ولا يخفى ما في هذه الرواية من روح التعصب، والحقيقة التي يشهد بها الاوروبيون انفسهم - ان العرب اظهروا من التسامح ما يتفق وروح الاسلام، واحسنوا معاملة اعدائهم فضلا عن اصدقائهم امثال ابناء وتيزا المالك السابق، وافراد اسرته، فضلا عن اخص الاصدقاء مثل يليان. وقد اسلفنا ان اول عمل قام به طارق في عاصمة طليطلة - ان رد على ابناء وتيزا املاكهم وضياعهم التي كان اغتصبها منهم رودريك وجعل عمهم الاسقف اوباس رئيسا لكنائسها، وحاكمها لادارتها ... على ان الاندلس لم تشهد قط اعدل ولا ارحم من اولئك العرب الميامين.
ولنستمع إلى الاستاذ لاين بول يقول: " .. ما كان المسلمون كالبربر من القوط والوندال يتركون وراءهم الخراب والموت، حاشا، فان الادلس لم تشهد قط اعدل واصلح من حكمهم، ومن الصعب ان نقول: اني اكتسب العرب تلك الخبرة الفائقة بالشؤون الادارية، فقد خرجوا من الصحراء إلى الغزو، ولم يفسح لهم تيار الفتح مجالا يدرسون فيه ادارة الامم المفتوحة" (3)، وهنا يجب ان نشير إلى ان العرب ل ياخذوا سبتة من ايدي القوط - كما وقع في وهم كثير من المؤرخين المعاصرين بل استولوا عليها من ايدي ابنائها الاصليين (المغاربة) وفي هذا الصدد يقول ابن خلدون: "ولما هلك يليان، استولى العرب على سبتة صلحا من ايدي قومه فعمروها" (4) ... ومعلوم ان راي ابن خلدون في يليان - كما اسلفنا - انه بربري من غمارة. على ان استيلاء العرب على سبتة انما كان بعد ولاية الحر بن عبد الرحمان الثقفي، فاين كان القوط بسبتة - وهو كان يحاول ان يجليهم عن جبال البرنية؟.
هذه بعض اضواء عن شخصية يليان، وهو من الشخصيات المغمورة في تاريخ المغرب وقد تكون لنا إلى الموضوع عودة.
1 - ابن خلدون - ج 6: 437. ط دار الكتاب
2 - عنان - دولة الاسلام في الاندلس ص 41
3 - عان - دولة الاسلام في الاندلس ص 41
4 - ج 6: 437. ط دار الكتاب