تقوم باعمال خطيرة داخل المعركة، وفي اليوم الرابع احتدم القتال، وكانت الحرب على اشدها، وظهر رودريك في وسط المعركة، في حلل ملوكية، فوق عرش تجره الخيول المطهمة - تمكن جيش المسلمين علىضالة عدده من جيش القوط، فلم يات اليوم السابع من اللقاء حتى كان النصر لطارق وجنده، وهزم القوط شر هزيمة، ولم تكد تنتهي المعركة حتى سقط رودريك قتيلا. وتذكر بعض الروايات ان طارقا ما ان راه متوجا فوق عرشه حتى حمل عليه، وضربه بسيفه على راسه فقتله على سريره" (1). وهناك رواية تقول: ان طارقا خطب في جنده قبل نشوب المعركة خطبته المشهورة: "ايها الناس، اين المفر؟ البحر من ورائكم، والعدو امامكم، وليس لكم والله الا الصدق والصبر ... " وكان لهذا الخطاب اثره في اذكاء همم المسلمين، ودفعهم إلى الظفر والنصر.
ولكن بعض الباحثين يرتاب في نسبة هذه الخطبة إلى طارق، ويرى انها ليست من اسلوبه، لان الرجل بربري، وهو بطبيعة الحال - في اول عهده بالاسلام وبالعربية لا يستطيع ان يقول مثل هذه الخطبة، وزعم ان المصادر الاولى لم تشر اليها، وان المقري نقلها عن مؤرخ لم يذكر اسمه" (2). والحقيقة التي لا مراء فيها، انها من اسلوبه وتفكيره، طارق من الاسر السابقة إلى الاسلام في المغرب العربي - وقد ذكر نسابة البربر - انه طارق بن زياد بن عبد الله بن ولغو بن ورجوم بن نيرغاس ... " فيكون طارق قد تلقى الاسلام عن ابيه عن جده عبد الله، وهو اول اسم عربي في نسبته، ثم ينحدر مساق النسبة إلى نفزة (3).
ومن المؤرخين الذين اوردوا هذه الخطبة - قبل النفح - ونسبوها إلى طارق - ابن خلكان في وفيات الاعيان (4). وهو بلا شك من مراجع المقري في النفح، بل من اهمها لديه. وهناك واقعة اخرى تختلف فيها انظار المؤرخين، تلك هي واقعة احراق السفن التي نقل عليها طارق جيشه إلى شاطئ الاندلس فهناك رواية تقول: ان طارقا ما كاد يعبر البحر بجيشه، حتى امر باحراق السفن التي عبر عليها، ليدفع بجنده إلى الموت والاستبسال، وليقطع عليهم كل تفكير في التخاذل والارتداد. وقد يؤيد هذه الرواية قول طارق في خطبته: اين المفر؟ البحر من ورائكم والعدو امامكم ... ".
ولكن بعض المؤرخين المعاصرين يستبعدو من طارق مثل هذا العمل - وهو الرجل الحكيم - سيما والسفن ليست ملكا له، بل هي من املاك يليان، قدمها كمساعدة للعرب، ولم تكن تحت تصرف الغزاة في كل الاوقات" (5).
وقد يكفي في هذه الرواية، ان ينقلها الشريف الادريسي في معجمه "مزهة المشتاق" وهو ابن سبتة واعرف الناس باحداث بلاده ووقائعها.
يقول الدكتور عنان: " انه مهما كانت هذه الرواية من الشذوذ، فانه عمل بطولة، يتفق مع بطولة فاتح الاندلس العظيم. وزاد في تعاليقه على هذه الحادثة يقول: ان التاريخ الحديث يقدم لنا مثلا بديعا من هذا القبيل، وهو المكتشف الاسباني هرناندو كرتيث فاتح المكسيك، فقد امر باحراق سفنه التي قدم عليها جيشه من اسبانيا. قال وقد يحملنا هذا على انه تاثر في عمله هذا بالمثل الذي ينتسب لطارق فاتح اسبانيا" (6).
على ان يليان الحريص على الظفر والانتصار على خصومه - قد يضحي بما هو اكثر من السفن. ويجوز ان يكون موسى عوضه بمثلها - وقد انشأ بتونس اسطولا ضخما اصبح يسيطر على البحر الابيض المتوسط. وتقول بعض الروايات انه هاجم بعض السواحل تحت قيادة عبد العزيز بن موسى بن نصير. وسنرى كيف عبر موسى البحر إلى الاندلس باثنين وعشرين الف مقاتل في قطاع من اسطوله وضعها خصياص لذلك. وبعد المعركة الحاسمة، والانتصار الهائل الذي حققه المسلمون
1 - ابن خلكان - وفيات الاعيان ج 4 - 411
2 - عنان - دولة الاسلام في الاندلس: 27 - 28
3 - ابن عدارى - البيان المغرب - ج 2 - 6
4 - ج 4 - 404
5 - عنان - دولة الاسلام في الاندلس: 41
6 - نفس المصدر