تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لبث موسى بطنجة حينا، يعد المدة، ويرسم الخطوط الاولى للمعركة التي سيخوض غمارها مع دولة لا يدري من امرها شيئا، يساعده في ذلك يليان بل هو الذي وضع الحجر الاساسي للمشروع، وهو الذي وضع النقط الرئيسية للخطة الحربية، وكانت نقطة البداية، ان تخرج الكتيبة الاولى، في نحو خمسمائة مقاتل، بينهم مائة فارس، تحت قيادة ضابط بربري، يدعى طريف بن مالك، فعبروا البحر من سبتة، في سفن قدمها يليان، تحمل شعار التجار، فنزلوا بالمكان الذي سمي جزيرة طريف باسم قائد الكتبية، وذلك في رمضان سنة 91هـ- 710م.

وجاست الحملة خلال الجزيرة الخضراء بارشاد يليان ومساعدته، فاصابت غنائم كثيرة، ثم عادت وهي تغني اهازيج الظفر والنصر، وتحمل ذكريات جميلة، عن بلاد الاندلس وغناها ومفاتنها الطبيعية. وكان كل ذلك يغريها بان تعيد الكرة، وتستانف المعركة.

ولم تكد تمضي سنة كاملة على الحملة الاولى الاتطلاعية - حتى كان موسى اتم استعداداته - بمساعدة يليان - للحملة الثانية، وهي بالطبع ستكون اوسع نطاقا، واقوى حماسا، واكثر عددا، وقد اسند قيادتها إلى طارق بن زياد والى طنجة، يساعده في ذلك يليان امير سبتة.

وفي خامس رجب سنة 92هـ 27 ابريل 711م - بدات سفن يليان تنقل الجنود من سبتة، تباعا، وكان عددهم سبعة الاف مقاتل، معظمهم من البربر، حتى اذا لم يبق الا فوج واحد ركب طارق ومن معه (1). ونزل بالمكان الذي لا يزال يحمل اسمه إلى اليوم. فاخترق طارق المنطقة المجاورة، وبمعيته يليان واصحابه، فاحتل قلاعها، والمراكز المهمة منها، وكان يليان يعرف ان رودريك مشغول يومئذ بمحاربة بعض الخارجين عليه، في الجهات الشمالية. وسرعان ما طارت اليه الاخبار، فعاد ادراجه إلى عاصمة ملكه طليطلة، واعطى امره لبعض الوحدات في الجيش، ان تتقدمه وتعترض سبيل جيش العرب، حتى يستكمل اهبته، ولكن جيش المسلمين ردها على اعقابها، وتقدم يخترق البسائط، متجها صوب العاصمة.

وفي هذه اللحظات الحاسمة استطاع رودريك ان يكهرب الجو، ويثير في نفوس المواطنين الحماس والدفاع عن حوزة البلاد، فالتف حوله معظم الاشراف، واجتمع لديه جيث ضخم، يقدر حوله معظم الاشراف، واجتمع لديه جيش ضخم، يقدر بمائة لف او يزيد (2)، وكان يليان على اتصال دائم بكل ما يدور حول رودريك، وقد وقف على هذا الحشد الكبير، فهاله الامر، واطلع طارق على خطورة الموقف، فكتب طارق إلى موسى يستنجده، فامده بخمسة الاف رجل، فبلغ المسلمون بذلك اثنى عشر الف مقاتل. وهنا قا يليان بدور هام ليكتسب المعركة، فبث اصحابه في سائر المناطق الحربية، ينشرون الدعاية للعرب، ويبثون التفرقة في صفوف القوط. وكان يليان يكاتب انصار الملك السابق، ويحاول ان يجذبهم اليه وهم على وشك القتال مع العرب. وهذا كتاب بعث به إلى احد ابناء غيطشة يقول فيه: "لا حاجة ايها العزيز إلى اطالة الشرح في المصائب التي توالت على هذه الجزيرة، منذ تولاها هذا الباغي، فضلا عما تعلمه من تعديه على الملك، واخراجه من يد اهله بقتل المرحوم والدكم ... والعرب يا الفنس دولة جديدة ملكت الخافقين بالعدل والرفق، وهي ستنتصر على رودريك لا محالة، لان اهل مملكته كلهم ضده حتى اقرب اقربائه، والذي ينصره انما ينصر الظلم والغدر و ... وانت تعلم اني ضنين بك، شفيق عليك، فاذا اطعتني وانضممت إلى جند العرب، فاني ضامن لك ضياع المرحوم والدك في الاندلس، وهي ثلاثة الاف ضيعة، قد سلبكم رودريك اياها، اذن ترجع انت وسائر الا غيطشة، إلى ما كنتم عليه من العز قبل استبداد هذا الطاغية ... " (3)، وكان لكل هذا اثره الفعال في نفوس الاهالي عموما والجند بالخصوص.

لذا نرى انه لما التقى الجمعان في سهل شريش، وذلك في اليوم الثامن من رمضان سنة 92هـ ونشبت الحرب بين الفريقين اياما، وكانت جواسيس يليان

1 - ابن عداري: البيان المغرب ج 2: 6 - 81

2 - عنان: دولة الاسلام في الاندلس

3 - جرجي زيدان: فتح الاندلس 336

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٥١٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٥١٦