تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

جانبه، واصبح الخطر منه على قاب قوسين او ادنى - ان يغير سياسته نحو العرب، ومن مصلحته ان يسالمهم ويضع يده في يدهم، وفي نفس الوقت فكر يليان في خطة الانتقام من عدوه رودريك، ولكن الظروف كانت تفرض عليه ان يجامله، ويظهر له جانبا من الصداقة، فكان يغمره بين الحين والحين بالهدايا والتحف الثمينة، وكان رودريك ينتظرها بكل تلهف، ويتطلع اليها في كل مناسبة حتى لقد قيل: انه لما قدم يليان على الاندلس ليلقي عليها اخر نظرة، ويكتشف من احوالها، وقدم لرودريك - على العادة - تحفا وهدايا طريفة - قال لرودريك - وهو يودعه: اذا قدمت علينا فاستفره لنا، من "الشذائات" التي لم تزل تطرفنا بها، فاها اثر جوارحنا لدينا) يعني الطيور الفارهة المتخذة للاصطياد، فاجابه يليان - وقد امتلآ صدره حنقا وغيظا عليه: ايها الملك وحق المسيح لئن بقيت لادخلن عليك شذانفات ما دخل عليك مثلها قط - يعرض له بما اضمره من ادخال العرب عليه (1).

وهناك رواية تزعم ان الحامل ليليان على انتقام من رودريك - سبب شخصي لك انه كان ليليان ابنة تتربى بقصر طليطلة، فوقعت عين رودريك عليها، فاغتصب عفافها، فالى يليان على نفسه ان ينتقم منه شر انتقام، لكن بعض المؤرخين يحيط هذه الرواية بهالة من الخيال، ويضفي عليها الوانا من الاقاصيص والاساطير، لذا كانت اقرب إلى الاسطورة الخيالية منها إلى الرواية التاريخية الصحيحة (2).

وايا كان، ومهما كان نوع الاساءة، فلابد من رد الفعل، وان يليان - وهو البربري الابي، الذي احسن إلى القوط، حينما كانوا اهلا للاحسان، سينتقم وسيعرف كيف ينتقم، وان تلك الاساءة التي لم يولها رودريك اكبر اهتمام ستكلفه ثمنا غالبا، وستكون سبب زوال دولته، ومحو امته من صحيفة الوجود، وقد راينا كيف انتقم الامير البربري كسيلة من عقبة، ذلك الانتقام الهائل لاهانة بسيطة صدرت من عقبة، ما كان اغناه عنها.

ومن هنا يبتدئ الدور الخطير الذي لعبه يليان في فتح الاندلس، ذلك الفتح الذي تحدث عنه التاريخ، ولازال يتحدث عنه باعجاب واكبار، والذي سنرى انه يرجع فيه الفضل اولا واخيرا إلى يليان، والى سياسته وحكمته.

في هذه الظروف الحاسمة، اتصل يليان بموسى ابن نصير، وعرض عليه ان يسلم سبتة وتبقى تحت امارته، وكان ذلك شبه صلح انعقد بينهما، وقدم يليان لموسى مشروعه الخطير لفتح الاندلس، وطالما ذلك الحصن المنيع، الذي كان ينظر منه إلى بعيد، وكان القدر كان يعلم منه ذلك فهيا له كل الاسباب، وقد اجاب يليان إلى ما اراد، وقبل منه ان تبقى سبتة تحت امرته، وظل قومه على ما كانوا عليه من دين النصرانية، وتختلف الروايات في امر هذا الاتصال، فمن قائل انهما اتصلا بالمراسلة، ومن قائل انهما اتصلا بالمقابلة الشخصية، وان يليان استدعى موسى إلى سبتة، وهناك وقعت المفاوضة بينهما، ومن قائل انهما اجتمعا اخيرا في سفينة بالبحر، وعلى أي حال فان موسى بن نصير اهتم بمشروع يليان اهتماما عظيما، وعرف في شخص يليان، السياسي المحنك، والقائد المجرب، والبطل الشجاع، وقد راى في عينيه العزيمة الصادفة - وهو يشرح له حال الاندلس في تلك الظروف وما تعانيه من خلاف، وما يسودها من ضعف وانحلال، واطلعه على خصبها وغناها، وجعل سفنه وكل ما له من عتاد، في عونه، واسناده، حتى النهاية. وقدر موسى اهمية هذا الفتح، يخبره بامره المشروع، فاجابه بعد تلكؤ ان اختبرها بالسرايا.

1 - دولة الاسلام بالاندلس - 26 - 28

2 - الناصري - الاستقصاء ج 1 ص 97

3 - من بين هؤلاء جرجي زيدان، اقرا له رواية الهلال: فتح الاندلس

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٥١٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٥١٥