يليان منها نصيب كبير، أو على الاقل تكون قد اصابته شرارة من شراراتها، ولاسيما الفتنة الكبرى التي كانت على عهد الكاهنة، والتي اتت على الاخضر واليابس، واهلكت الحرث والنسل، وخربت المدائن والحصون، وكانت كما يقول ابن خلدون: (من طرابلس إلى طنجة، ظلا واحدا في قرى متصلة، فخلت اكثر البلاد)، وكان الهجوم الاخير الذي قام به حسان على افريقية سنة 81هـ ضربة لازب، فكان من السهولة ان تقع افريقية كلها في قبضته ولم تعد هناك قوة تعارضه، او تنتقص من امارته، اذا استثنينا بعض الجهات التي لم تصل اليها يد العرب بعد كامارة يليان، ولكن الخطر كان يهددها يوما بعد يوم، وربما وقعت معارك بسيطة على حدود واد ملوية بين جنود حسان، وبعض رعايا يليان، وكان حسان قد انشأ مدينة تونس، وجعلها ميناءحربيا، وبنى بها اسطولا ضخما بمخر عباب البحر الابيض المتوسط، وربما هاجم بعض سواحله.
ومن المحتمل انه في هذه الظروف المضطربة - بدأ يليان يوجه عنايته إلى تلك الجزيرة الجميلة، مدينة سبتة، فقد زاد في بنائها وتحصينها، وبنى بها قصورا على غرار قصور طنجة.
ولاشك ان هناك اسبابا قاهرة - وان كنا نجهلها - دفعت بيليان ال ان ينقل عاصمة ملكه إلى سبتة، وينقل معها اكثر جنده، وكل ما نستطيع ان نقول هو ان للظروف التي عاشها المغرب في اخر ايام حسان يدا في ذلك.
يضاف إلى ذلك ما كان لولاية موسى بن نصير على افريقية، والاعمال الخطيرة التي قام بها من أثر عميق في نفس يليان، فقد كان يعرف ان العرب وقد اصبحوا مالكين زمام اساسيا لهم، وعرف ان سياسة موسى بن نصير هي غير سياسة عقبة، وظروفه غير ظروفه، فعليه ان ياخذ بالحيطة، وبعد العدة، ولكن مدينة طنجة ليس بها من الحصانة والمنعة ما لمدينة سبتة ذلك الحصن المنيع بموقعه وطبيعته، وفعلا فما ان تحرك جيش موسى يريد المغرب الاقصى، حتى جعل وجهه شطر طنجة، واختار الطريق الذي مر به عقبة في السهل الساحلي، وقد ذهب توا إلى تلك المدينة الدائعة الصيت عاصمة المغرب، وتاج مفرقه منذ عهد سحيق ولكن كيف كان دخوله اليها؟ وهل استطاع ان يبسط نفوذه على امارة يليان؟ ذلك ما تختلف فيه الرواية اختلافا كثيرا فهناك رواية تذكر ان يليان سالم العرب، وهادن موسى بن نصير، واتخذ نفس الاسلوب الذي قابل به عقبة بن نافع، وهناك رواية اخرى تقول: ان بربر طنجة قاوموا العرب اشد مقاومة، وقد اكثر فيهم موسى من السبي والقتل، وفي النهاية اذعنوا واخذ اعيانهم رهائن لديه بطنجة، ومن بينهم ابن يليان.
وتمة رواية ثالثة تفصل القول - وهي عندي ارجحها - فتذكر ان العرب دخلوا طنجة في حدود 88هـ - بدون كبير مقاومة لاخلائها من اكثر الجند، وولى عليها موسى طارق بن زياد، وانزل بها قوة كبيرة من البربر والعرب وواصل طارق هجوماته على سبتة، ولك يليان كان له بالمرصاد، وفي سنة 89هـ - تقدم جيش جرار وطوق اسوارها وشدد عليها الحصار، وتذكر بعض الروايات ان يليان اضطر ازاء هذه القوة الهائلة إلى الاستنجاد بالقوط فامدوه بقوة كبيرة من البحر، واستطاع معها ان يرفع الحصار المضروب طويلا على سبتة، وكانت العلاقة بين يليان والقوط ما تكون في تلك الظروف، بل منذ عهد عقبة وروابط الصداقة بين البلدين لا تزيدها الايام الا قوة ومتانة وهناك رواية تزعم انه كان بين يليان وملك القوط لذلك العهد وتيزا - مصاهرة، ووشائج قربى من جهة الام. على ان يليان وان استفاذ من هذه النجدة، وتقوى جانبه بتلك الحملة الكبيرة فقد كانت من جهة اخرى خطرا وشؤما على اصدقائه رجال دولة القوط الذين حموا ظهره، ذلك ان خصومهم اهتبلوها فرصة، وثاروا في وجه الملك وتيزا المعروف عند العرب بغيطشة، وكان قائد الثورة رودريك الذي سمل وتيزا عيني ابيه، فكانت روح الانتقام هي الحاملة له على قيادة تلك الثورة العارمة التي انتهت باستلامه لزمام الملك وتربعه على عرش القوط بعد حرب اهلية شديدة استمرت معاركها دى حين.
وقد خسر يليان في هذه الثورة اعز صديق له. وهو الملك وتيزا الذي كان له السند الاقوى يلجأ اليه عند المدلهمات، لذا كان على يليان - وقد ضعف