تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س 4، ع 9 - 10/يونيه -يوليوز 1961 .................... ص49

يليان الغماري

للاستاذ: سعيد أعراب

-2 -

ثم عاد عقبة ادراجه إلى القيروان، وهو يجد في سيره، وكان القدر يسوقه، والخطر يلاحقه، ولم يكد يصل إلى تهودة بارض الزاي (بسكرة بالجزائر) حتى انقضت عليه جموع البربر اصحاب كسيلة، يعززهم حلفاؤهم الرو، وكان من سوء الطالع ان صرف عقبة العساكر إلى القيروان، وبقي في خف من الجند، ولكنه - وهو البطل الشجاع - ابى الا ان يزل إلى الميدان، فرحب بالموت، ودافع بشجاعة نادرة، حتى قضى هو ومن معه. ويرى بعض الباحثين انه كان في استطاعة عقبة - لو انه سار ساحلا - ان يعود إلى القيروان سالما، فطريق الساحل مامون على ما فيه من المدائن والمحارس (1)، وهنا تتسرب الشكوك إلى نصيحة يليان الذي اوعز اليه ان يتوجه إلى البربر، ويسلك هذا الطريق الوعر، ومن يدري؟ فلعله كان يعرف ان البربر يحنقون اشد الحنق على عقبة، ويتربصون به الدوائر، وانه لابد ان ينتقموا لاميرهم كسيلة الذي لقي على يد عقبة الوانا من الاذى، وصنوفا من التنكيل، وخصوصا اذا ما اوغل الجند في تلك الجهات المترامية الاطراف، وتاهوا في جبالها وشعابها.

وكان ابو المهاجر نفسه يعرف هذا، فلقد قال لعقبة - وهو ينصحه - ما هذا الذي صنعت؟ كان رسول الله (ص) يستالف جبابرة العرب، وانت تعمد إلى رجل جبار في قومه، بدار عزه، حديث عهد بالكفر، فتفسد قلبه، توثق من الرجل فاني اخاف فتكه.

ومهما يكن من امر فليس بالقائد الماهر من يستمع إلى نصيحة رجل من اعدائه دون تبصر او حذر (2).

وبموت عقبة انمحى كل اثر سياسي للعرب في افريقية، وعادت السيادة للبربر من برقة إلى المحيط، ثم توالت الحروب بين العرب والبربر، تنطفئ نارها تارة، ويشتد اوارها تارة اخرى، ولكن يليان ظل بنجوة عن هذه الحرب وويلاتها، وبعيدا عن كل سيطرة او نفوذ للعرب، ذلك لان الذين اعادوا الكرة على ربوع افريقية، واعلنوها حربا شعراء عل امرائها كان هدفهم اولا ان ياخذوا بثار عقبة، وينتقموا من خصومه واعدائه، ثم يعملوا على إعادة الامور إلى مجاريها، اما يليان الذي سالم عقبة، وكان مواليا له، فلا داعي لمحاربته.

وهنا يختفي شخص يليان وينسدل حجاب عميق، عن هذه الفترة من حياته التي عاشها في هدوء وسلام، فلا نكاد نعرف عنها لا قليلا ولا كثيرا، ولا نعدو الحقيقة اذا قلنا ان كتبنا التاريخية - على العموم - انما تسجل احداث الناس والامهم، وتهتم بحروبهم وتقلبات احوالهم، اما الجانب الاخر من حياتهم فلا يهمها امره لا في قليل ولا في كثير، لذا كانت - كتب تاريخ دول وحروب، لا تاريخ امم وشعوب، وهذه الناحية تعتبر نقصا كبيرا في دراستنا التاريخية.

على ان الفتن الداخلية التي كان المغرب مسرحا لها طوال هذه المدة، والاعاصير التي هزت اركانه، وعصفت بكثير من مدنه وقراه - ربما نال

1 - حسين مؤنس - فتح العرب للمغرب ص 194

2 - نفس المصدر

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٥١٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٥١٣