نعم، إن الأدب الجزائري الصميم لا يؤدى إلا بالعربية وإذا أدي بغير العربية وقع الأديب في ازدواجية شخصية، وفقدت القصة أو القصيدة حياتها، لأنه يسمى إذ ذاك أدبا مترجما لا أدبا مباشرا. لقد كان حداد الشاعر هذا ينادي والدته في طفولته بـ (ماما) ولكن تراه في شعره يناديها ( ma mère) فما أكبر التشويه وما أبشع التحريف لمجتمعنا العربي - أذكر أن الأستاذ الدروبي أستاذ علم النفس بجامعة دمشق حدثني طويلا عن هذا المشكل بمناسبة ترجمته لقصة محمد ديب (الدار الكبيرة) فقد قال لي ما معناه: إنني لا أرد إلى الأثر شيئا مما كان يمكن أن يكون له من صدى لو كتب بالعربية، وإنما هو يفقد مزيدا من ذلك الرواء، فالأثر قد ضاع منه شيئا مرتين: مرة حين كتب بالفرنسية، ومرة حين ترجم عن الفرنسية".
وخلاصة القول أننا نعتقد أن هنالك أدبا جزائريا واحدا عبر عنه بالعربية تارة، وبالفرنسة أخرى، وهذا الأدب شديد التماسك، لأنه عاش واقعا واحدا، ويعبر عن بيئة عربية مشتركة. وميزة هذا الأدب الجزائري العربي ذي اللفظ الفرنسي، أنه أدب أصيل ليس للتقليد فيه نصيب كبير، وأنه أدب يخرج من النطاق المحلي الضيق، إذ بالرغم من اتصاله بالبيئة الجزائرية فقد استطاع الارتفاع إلى مستوى النفس الإنسانية المعذبة والتي تكافح في سبيل الكرامة والعزة، وهذا الأدب ذاتي تلمس فيه روح الكاتب أو الشاعر ...
وإذا أردنا أن نتحدث عن الوجه الآخر للأدب الجزائري أي ما كتب منه بالعربية اعترضنا من أول الطريق صعوبات جمة تجعل الباحث المنقب لا يكاد يتوصل إلى حكم قاطع ولا إلى خطوة شاملة، والأسباب كثيرة منها أن هذه الذخيرة الأدبية مبعثرة في الصحف والمجلات وأكثرها غير مطبوع ولا ومعروف - ثانيا - لا يمكن الحكم على هذا الأدب ما لم نطلع على أدب الثورة لأنه أهم جانب فيه، وهذا الإنتاج لم يخرج منه إلى الوجود إلا القليل النادر، والسجل الوحيد الذي يجوز الاعتماد عليه من أجل دراسة أدبية هو مجلة البصائر، وهذا الأدب يتعلق بفترة ما قبل الثورة، وكنت أود القيام بنواة دراسة حول أدباء البصائر على اعتبار أنها تمثل مدرسة خاصة، ولكن مع الأسف لم أتمكن من الحصول إلا على مجلد سنة واحدة وهو محفوظ في المكتبة العامة بالرباط، ومن هذه القلة القليلة أمكن لي التوصل إلى بعض هذه الخطوط العريضة التي تميز أدباء البصائر في مرحلة ما قبل الثورة، وهؤلاء الأدباء هم ثلاث فئات: أولا - الشعراء: كمحمد العيد وسحنون، والأدباء: الفلاسفة: كأحمد رضا حوحو، وأدباء المنابر: كالشيخ البشير الإبراهيمي والشيخ العربي التبسي، وسواء كان هذا الأدب شعرا أو نثرا، فأنه يتميز بما يأتي:
أولا: إن هذا الأدب تقليدي محافظ يردد نغمة العرب القدماء ولم تظهر الجدة فيه، سواء في الأسلوب أو في الأخيلة.
ثانيا: يتميز هذا الأدب بأنه ليس أدبا ذاتيا يعبر عن نفسية الأديب، بل نراه يطرق الموضيع الخارجية والاجتماعية، ولذلك فهو أدب اجتماعي.
ثالثا: لمواضيع الوعظ والإرشاد والأخلاقيات الحظ الأوفر، فهو أدب ديني أخلاقي.
وهذه السمات الثلاث أي هذا الاتجاه المحافظ الاجتماعي الأخلاقي وجود لابد منه في فترة تعتبر بمثابة الإعداد والتربية - ومدرسة البصائر تعتبر من هذه الوجهة تقدمية إذا ما علمنا أنها أول مرحلة في النهضة الأدبية الحديثة.
أما عن أدب الثورة فاعتقد أنه الأدب الحي الذي تجلت فيه تجربة الأديب لأنه أدب الألم وأدب الأمل وهما وتران يردان أبلغ وأبدع الألحان، ولعل الشاعرين مفدي زكرياء ومحمد الخمار من هؤلاء الأدباء الذين تجلت ذاتيتهم على هذه الأحاسيس الدفينة والتي تنتمي إلى صميم الإنتاج الأدبي.
وسواء كان هذا وذاك فإننا في حاجة ماسة إلى الدراسة والبحث والتنويه بالفكر العربي في المغرب العربي لأنه أدب وفكر جبار جدير بالصدارة في دنيا العروبة والإسلام.
من كل ما تقدم نلمس أن حاجاتنا إلى الكتابة والتأليف والتنقيب أمر ملح للغاية، والتقصير فيه تقصير في حق العروبة وإسفاف بالفكر المغربي الذي أخرج لنا ابن خلدون والشابي وطارقا وابن باديس.