تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

النهضة الجزائرية، وإشراق فجرها الصادق، وقد تكونت جماعة مؤمنة التفت حول ابن باديس ثم حول الشيخ البشير الإبراهيمي، واستطاعت هذه الجماعة العاملة في سبيل الله والوطن أن تضع بعض الأسس الصالحة للانطلاق الكبير الذي نرى ثماره اليوم.

وقد يلحق بهذه المرحلة الإعدادية مفكر آخر يمثل هذا الاتجاه الفلسفي الديني وهو الكاتب المبدع مالك ابن نبي، هذا المفكر الخلاق صاحب مفاهيم إسلامية عميقة تعتمد على معطيات العلم الحديث، وربط الإسلام بالركب الحضاري العام، ويعتبر مالك بن نبي حجة التفكير الصادق للإسلام في الجزائر، وفيلسوفها الرسمي، وبإنتاجه الغزير استطاع أن يفرض على المجتمع العربي مكانة الفكر الجزائري العميق.

ولكن عبقرية الشخصية الجزائرية أدركت - وسرعان - ما أدركت أن النهضة الفكرية قد لا تكفي وحدها في بناء حرية الوطن وحرمته بين الحضارات الحية، بل إن الاكتفاء بالفكر الفلسفي النظري انتحار بطيء لأن العدو لم يكن من النوع العادي، بل كان فتاكا متفننا في فنون الدمار والهلاك، وسرعان ما غيرت الأسلحة الفكرية، وبعد أن كانت سالمة وديعة تدعو باللين وبالتي هي أحسن أصبحت ثورية قاهرة، وفي هذه الفترة اطلعنا على فلسفة جديدة نقرأها في جريدة "المجاهد" ونسمعها على الأثير ويتحدث بها إلينا قادة الثورة الأبرار، وهي فلسفة النضال والجهاد بكل وسيلة، وبكل الأسلحة، وأخصها بالذكر السلاح الفكري الذي أخرج هذه الجماعة المتحنكة التي أعجزت الدهاء الفرنسي وجعلت المدرسة السياسية العتيقة تتراجع أمام الغزو الثابت والإدراك الناضج العميق وهذا هو الفكر الجزائري الجديد، وثمراته الحية الناطقة هي هذه الثورة المباركة التي لم تعد ثورة طبقة من المفكرين، وإنما تغلغلت في أعماق الشعب، وجعلت كل فرد منه جنديا متحمسا واعيا لقضيته، مستميتا في سبيله.

فالخطوط العريضة إذن للفكر الجزائري أنه فكر عقائدي يؤمن بالله وحده، ولا يكاد يفضل بين مفهوم العروبة ومفهوم الدين، ولعله كان سباقا للدعوة إلى هذه الازدواجية العميقة ويعتبر تقدميا إذا ما قارناه بما يجري في الشرق على لسان كثير من كتابها هنالك، والذين يحاولون إبعاد الدين عن المفهوم القومي.

والفكر الجزائري فكر مثالي لأنه يؤمن بالأخلاق وبالسلوك الإسلامي العربي، ومن يشذ عنه أو يحيد لا يستطيع التجاوب مع الشعب المطبوع بالبيئة العربية الصحيحة - وأخيرا فإن الفكر الجزائري ثوري نضالي لا يدهشه الجانب النظري اللفظي من أي فلسفة، وإنما تراه يربط بين الفكرة وتطبيقها وتركيبها كما يقول الماركسيون أو كما يقول العربي السليم الفطرة والإدراك قبل أن يولد هيجل وماركس ومن لف حولهما، نعم إنه فكر متطور، حي، ومن كانت صفته الحياة فسوف يبقى حيا مدى الحياة.

وإذا انتقلنا من الفكر الجزائري إلى الأدب الجزائري فماذا ترانا نقول؟ إن هناك سؤالا يعترضنا في أول الطريق: هل هناك أدب جزائري عربي؟ وهل هناك أدباء عرب جزائريون؟ لقد حاولت فرنسا أن تجيب على هذا زاعمة أن الأدب الجزائري العربي لا وجود له، وأن الموجود هو أدب جزائري فرنسي، وهذا لا يكاد ينفصل عن الأدب الفرنسي العام مادام فرنسي اللسان، إنها فرية الاستعمار كما ترون، فما أكبرها كذبة، وما أقبحها فرية على الواقع وعلى أدبائنا الخالصين في عروبتهم وفي أنفسهم وفي عواطفهم وفي آدابهم، وإذا كان اللسان قد يستثقل بعض النطق العربي فالقلب والروح صادقان في العروبة.

ومشكلة الأدب الجزائري الحاضر أنه واقع في انفصالية محرجة، ولكنها ليست في الخطورة التي يصورها لنا الاستعمار، وقد نستطيع ملاحظة ما ياتي:

1 - أن هذا الإنتاج في الأدب العام سواء كان بالعربية أو بالفرنسية موحد المضمون متشابه العواطف متماثل الانفعالات، وإن اختلف اللفظ.

2 - يلاحظ كل من قرأ قصة للكتاب الجزائريين ذوي التعبير الفرنسي أمثال محمد ديب وكاتب ياسين ومولود معمري الخ، أن هناك غرابة وسوء جوار بين الأسلوب وبين حوادث القصة أو عاطفة القصيدة ... لأن هذه العواطف وهذه الأخيلة خلقت لكي يعبر عنها باللغة العربية، وإبرازها بمنطق فرنسي يجعل اللفظ متضاربا مع صميم القصة وخاصة إذا كانت مرتبطة بالمجتمع العربي الجزائري ... ولست أنا الذي أقول هذا، بل استمعوا إلى الشاعر الجزائري مالك حداد حينما يقول: "أنا أرطن ولا أتكلم ... إن في لغتي لكنة، إنني معقود اللسان ... أنا لا أغني ... لا أغني ... فلو كنت أعرف الغناء لقلت شعرا عربيا ... »

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٥١١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٥١١