تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س 4، ع 9 - 10/يونيه -يوليوز 1961 .................... ص46

الفكر الجزائري المعاصر

للاستاذ: جمال البغدادي القادري

إن الحديث عن أدب الجزائر، وفكر الجزائر، حديث عن الأمجاد والأبطال، وإحياء لصفحات قدسية كتبت بالدم والنار قبل أن يخطها القلم، ولا يكاد الباحث يطرقه حتى يشعر بهزة تعروه، ودهشة إكبار تتملكه فتجعله ينحني أمام الإرادة الصلبة، والعبقرية الأصيلة، والذكاء المتوقد طيلة قرن ويزيد، دون أن تلين العزيمة أو يموج الأفق، أفق العروبة المؤمنة في وطن حر عزيز.

وإحياء هذا التراث، وإجلاء الغبار عن المعدن الأصيل هو جزء لا يتجزأ من القضية الوطنية الكبرى التي يتحملها كل عربي صادق الإيمان والشعور، وأي حديث عن الفكر الجزائري هو استمرار لمعركة التحرير ضد الغزو العقلي، فالمعركة المادية كسبناها أو نكاد، وبقي علينا أن ننتصر أيضا في ميدان آخر لا يقل خطورة - هو ميدان الفكر الجزائري العربي المغمور والعبقرية الجزائرية المغتصبة - وإذا كانت السياسة تطالب اليوم بتقرير المصير فنحن هنا أيضا نطالب عمليا بتحرير مصير الأدب الجزائري العربي والفكر المغربي من ظلم المعتدين.

وقبل أن نتحدث عن الشخصية الجزائرية في مجال الفكر والأدب، يحسن أن نتساءل: متى برزت هذه الشخصية العقلية جلية، واعية بوجودها ومحيطها؟ أو بعبارة أخرى: متى بدأت النهضة الفكرية في الجزائر؟ وعلماء الاجتماع والحضارة لا يعتبرون في هذا التحديد التقدم المادي كأول شرارة لنهضة حقيقية فلا الازدهار الاقتصادي، أو التقدم في العمران، أو في الجتمع، تجعل بداية صالحة لعصور الإحياء، لأن النهضة تقوم أول ما تقوم حين تشعر الجماعة بوجودها أولا، وبذاتها وبمحيطها ثانيا، وأخيرا برسالتها الأخلاقية، فالشرط الأول نفسي ثم يليه شرط اجتماعي فأخلاقي فلسفي، وهذا غاية النضج والإدراك، وهذه العناصر متماسكة أشد التماسك، فإذا انفصمت حلقة امتنع التقدم الحضاري، وبقيت الظلماء حالكة، والتقهقر شاملا، وإذا طبقنا هذه القاعدة على واقع الجزائر وجدنا أن أول بداية صحيحة قد حصلت سنة 1931 حينما نهض رجل عملاق في الجزائر ليبذر الشعور بالوجود الجزائري، وليرفع راية الجهاد الأكبر على العدو الأكبر، نعم استطاع عبد الحميد بن باديس أن يثير الحماس ويهز الناس، ويجعلهم يتفهمون رسالتهم وواجبهم، وذلك في كلمات ثلاث تلخص فلسفة أول مصلح جزائري وأبي نهضتها الحديثة، هذا الثالوث: هو العروبة والإسلام والجزائر، والعروبة كأمة في اللغة العربية والإسلام هو مضمون دستورها الأخلاقي والفلسفي، والجزائر هي الأرض المحتلة التي يجب أن تطهر من رجس المستعمر الظالم.

فدعوة ابن باديس هي دعوة نفسية جاءت تتحدى الاحتلال الغاشم والذي كاد يقضي على المقومات الأصيلة للشعب الجزائري فحرف لسانه وشوه تاريخه وفصله عن الوطن الأكبر، وطن العالم العربي الفسيح، وهذه النهضة النفسية تشكلت وتجسمت في صورة هيأة علمية منظمة واضحة المبدأ، سديدة الخطى، وهي جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وقد سعت لنهوض الأمة بالرجوع بها إلى عقيدتها المصفاة وإلى تاريخها المجيد لإصلاح حاضرها ومستقبلها.

ولما كان هذا الإصلاح الجديد دعوة إلى تزكية النفوس، وتطهير العقيدة، وتهذيب الناشئة، وتكوين الأسرة الصالحة كأساس لرفع مستوى المجتمع أخلاقيا وفكريا واقتصاديا، أمكن الحكم عليه بأنه بداية

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٥١٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٥١٠