تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يستطيب لبعض هذه الاصطلاحات فيتبنوها مضمنينها كتاباتهم وتدوناتهم ويشيح عنها اخرون فينصرفوا إلى البحث عن بديل لها اكثر ملاءمة للمعايير التي يعتمدونها والمفاهيم والمبادئ التي يحتضنونها، وفي هذه الحالة او تلك يزداد رصيد التناقض الاصطلاحي في المدونات العلمية والفنية العربية، ويزداد ضخامة واتساعا، وتزداد بالتالي عوامل عجز المجامع العربية - ولو مع توحيد نشاطها كما اعلن عنه في مؤتمري دمشق والرابط - عن التخفيف من حدة هذا التناقض والقضاء على مظاهره واسبابه.

ان الوسائل التي تتذرع بهاالمنظمات والهيئات اللغوية في معالجة مثل هذه الحالة هي القيام بعمليات "غربثة) وانتقاء لنتائج النشاط اللغوي المبذول في مختلف الجهات والانحاء، وإقرار البعض من هذه النتائج على اساس انها تستجيب للمقتضيات المنشودة، ونبذ البعض الاخر بحجة انه لايفي بهذه المقتضيات، وهذه الوسائل الكلاسيكية التي يبدو ان الاهتمام بها لا يزال شديدا على اساس احاطتها باطار محكم من التنظيم والاحكام، هذه الوسائل - وسائل الغربلة والانتقاء لا تحول في الواقع دونازدياد بوادر الاجتهاد الفردي غير المتقيد - اساس الكثير من مظاهر الاضطراب في الاوضاع الاصطلاحية الحالية - ولا تستطيع ان تصد المصطلحات المولدة على قاعدة هذا الاجتهاد- عن الانتشار احيانا ولواستنكفت عن تقبلها الهيئات الاكاديمية القائمة، وذاك بالذات هو مصدر استمرار المشكلة، وامتداد اثارها امتدادا لا يعروه توقف او انقطاع، والعناية بمعالجة المشكلة على هذا الاساس يتعين بالضرورة ان تكون من اسس الرسالة المنوطة بالاجهزة التنظيمية والتوجيهية التي يفترض ان تنبثق عن مؤتمر الرباط، فالمفهوم الصحيح للمهمة الملقاة على هذه الاجهزة - اذا اريد لها ان تكون ذات نتائج ايجابية بناءة - يقتضي من المسؤولين عنها الاهتمام لا بمراقبة النشاط الاصطلاحي بالعالم العربي وغربة النتائج الناجمة عنه فقط، بل بالعمل ايضا على اصطناع اسا مبدئي صحيح لتوحيد المقاييس والمعايير التي يقوم على اساسها هذا النشاط، وبلورتها في اشكال نهاية حاسمة تضمن سلامة وعمومية الاصول التي تتحكم في توجيهه، وذلك ما من شانه ان يساعد المنظمات التوحيدية المحتملة على تحديد نطاق الاتجاه إلى التحرر في بوادر النشاط الاصطلاحي على اختلاف مناحيهويجنبها الاضطرار إلى الكثير من الغربلة والاصطفاء التي تكلف الكثير من المتاعب والجهود، والتي لا تفضي في الغالب الا إلى استمرار المشكلة ودوام استشراء مضاعفاتها.

ان مشكلة المقاييس الاصطلاحية هذه تنطوي بالفعل على كثير من التفرعات والامتدادات، وتعكس بالفعل على كثير من التفرعات والامتدادات، وتعكس العديد من النقط المبدئية والمنهجية التي يمكن ان يكون الاتفاق حولها اساسا لتوحيد الاصول الرئيسية في مشكلة التشريع اللغوي، وبالنتيجة تضييق دائرة التناقض الذي يشكل جانبا هاما من جوانب هذه المشكلة ومن بين هذه النقط مثلا:

1/ تقريب الاتجاهات المتناقضة احيانا حول موضوع الترجمة والتعريب، والى أي مدى يجب الاستناد إلى كل منهما، ثم استخلاص راي عام مشترك يستوعب القواعد العملية الايجابية الكفيلة باقرار وحدة مبدئية وعملية حول هذا الموضوع.

2/ الانتهاء إلى قواعد معقولة ومشتركة حول موضوع اللهجات العامية، والدور الذي يجب ان تسهم به في توفير مواد الاصطلاح والوضع اللغوي الفصيح بشكل طبيعي وسليم.

3/ اقرار موقف اساسي مشاع من المشاكل النظرية والتطبيقية التي تثيرها الاتجاهات المتحررة في اساليب الوضع اللغوي ووسائله .. هذه الاتجاهات التي تقوم اساسا على مراعاة ما في اللغات الغربية الحديثة من امكانيات توليدية وتركيبية عديدة ومحاولة اصطناع قواعد لغوية متحررة من صميم اللسان العربي يمكن من تقليد هذه الامكانيات والاستفاذة من كل ذلك في تزويد العربية بالدقيق من المصطلحات الفنية والعلمية الملائمة، ومن امثلة ذلك:

استخراج بعض المقاطع المعينة من اصلاب الكلمات العربية كـ (بع) من (بعد) و (صو) من (صوت) و (بي) من (بين) وهكذا، والتاليف بين هذه المقاطع على شكل يمكن من توليد مصطلحات جديدة لها من الدلالة ما يوازي مثيلاتها في اللغات الغربية الحديثة: inter. Phone. Télé .

4/ تحديد اسس ضرورية وقارة لبوادر الترجمة والتعريب وما يتصل بهما، واقصاء عوامل التناقض الموجود في صيغ واشكال المصطلحات والمعربات والناشئ عن اختلاف الصور اللفظية والتركيبية في اللغات الغربية السائدة بالعالم العربي وتباين انواع التاثير الذي تحدثه هذه اللغات على اذهان واذواق المتصدين لشؤون الترجمة والتعريب من العلماء العرب.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٥٠٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٥٠٨