تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بين العوامل الاساسية في استمرار هذا الوضع اللغوي المضطرب انعدام وجود "سلطة" مجمعية موحدة تهيمن على مقاليد التشريع اللغوي بالعالم العربي، ويكون لها من التاثير في هذا المجال ما يتوافر للمراجع الاكاديمية بالغرب .. هذه المراجع التي تلعب ادوارا اساسية في مجال التطور اللغوي عند الغربيين، وتحدد لهذا لتطور مناهج نظمة وسليمة، وانعدام وجود هذه الهياة المجمعية في الوطن العربي هو نتيجة حتمية لطبيعة الظروف التي كانت تحيط بالاقطار العربية في اوائل هذا القرن، فقد كان معظم هذه الاقطار واقعا تحت تاثير مناطق نفوذ اجنبية معينة ولم يكن من اليسير حينئذ - واليقظة الفكرية واللغوية الحديثة في بدايتها - اقامة قواعد عملية حقيقية لتنسيق التعاون العربي في هذا الصدد ومع ذلك فقد كان هناك من الاسباب ما ساعد على ازدياد الاهتمام بقضية اللغة العربي، وادى ذلك الىانتشار تيار محدود من الوعي اللغوي بين جمهرة المتعلمين وخاصة اولئك الذين اتيح لهم ان يعانوا المشكلة اللغوية العربية الحديثة معاناةعميقة وصحيحة، فكان من ذلك سبيل إلى قيام عدد منالمجامع والهيئات تستهدف كلها العمل على معالجة اسباب القصور الظاهري في اللغة العربية الحديثة، دون ان يكون هناك مجال لقيام مجمع عربي موحد له من الامكانيات والصلاحيات ما يمكنه من تحقيق هذه الرسالة في اطار اكثر شمولا، واحكم تنظيما وابعد مدى. ولا جرم ان مسير الحركة الاصلاحية اللغوية بالعالم العربي في هذا السبيل غير الموحد لم يكن من شأنه ان يسهم في تيسير عوامل النجاح السريع لهذه الحركة ويفضي بها إلى النتائج الايجابية الحاسمةالتي تتوخى منها، وكان من الطبيعي ان تفضي حالة من هذا النوع إلى احداث بعض التعقيدات المزمنة التي لا تزال - بحق - في صميم المشكلة الاصطلاحية القائمة بالعالم العربي، والتي تشكل - في الواقع - عامل استمرار لوجود هذه المشكلة وعنصر امتداد لاثارها ومفاعيلها، ومن بين هذه التعقيدات:

1 - انعزال المجامع بعضها عن بعض من ناحية واتساع الهوة بينها وبين الجماهير من ناحية اخرى.

2 - ازدهار بوادرالاجتهاد اللغوي الفردي وتوافر المزيد من المصطلحات الفردية المرتجلة الموضوعة بمناى عن رقابة المجامع وموافقتها.

3 - تعذر اليقام بامجازات اكاديمية اصيلة كاصدار المعاجم والموسوعات الوافية الدقيقة، وتعدد المحاولات الخاصة المنعزلة للقيام ببعض الاشياء من هذا القبيل.

وعلى الرغم من التطورات السياسية التي عرفها العالم العربي في اعقاب الحربين العالميتين والتي ادت بالفعل إلى استقلال كثير من الاقطار العربية وقيام ظام الجامعة العربية وانفتاح افاق جديدة للتعاون العربي المنظم في مختلف المجالات، بالرغم عن كل ذلك فقد استمرت مشكلة "التشريع اللغوي" بالعالم العربي قائمة بكل ما تنطوي عليه من تشعب وتعقيد، ولم يتح للمجامع القائمة في مصر وسوريا والعراق ان تعثر على اساس معقول يمكنها من تنظيم مناهج واساليب هذا التشريع ويسر لها توحيد وسائله واسبابه، ولعل من اسباب ذلك:

1 - طغيان المؤثرات السياسية والمذهبية على العلاقات العامة بين بعض الدول العربية.

2 - محدودية الاهتمام بالمشكلة اللغوية في دوائر مخصوصة ومعينة وانصراف الراي العام العربي بمعناه الواسع عن الاكثرات لها باعتبارها من شاكله الحيوية.

3 - توافر المصاعب المادية في وجه القائمين علىالمجامع، وما يجوز ان يكون لذلك من تاثير على ما يمكن ان تبذله هذه الهيئات من نشاط علمي او تحققه من تطور تنظيمي او تقاربي.

على انه بالرغم عن هذه العراقيل والمثبطات فقد عرفت المشكلة اللغوية العربية في اواخر سنة 1956 تطورا هاما كان من المفروض ان يكون خطوة حاسمة نحو التخفيف من حدة هذه المشكلة وتهيئ الظروف اللازمة لتحقيق وحدة التشريع اللغوي بالبلاد العربية، ذلك عندما تم انعقاد مؤتمر المجامع العربية بدمضق وتحقق لهذا المؤتمر النجاح في الاعلان عن قيام وحدة عملية منظمة بين الهيئات اللغوية في الجناح الشرقي من العالم العربي.

والواقع ان المؤتمر لم يكن العامل الوحيد في اذكاء الشعور بضرورة انجاز هذه الوحدة، بل ان هذا الشعور كان على اشد ما يكون قوة وعمقا في اذهان المعنيين بالشؤون اللغوية في العالم العربي على قلة اعدادهم ومحدودية النطاق الذي يعملون فيه، وقد كان الكثير من هؤلاء المعنيين منتدبين لعضوية المؤتمر، لهذا كان من الضروري ان يحتضنوا - في

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٥٠٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٥٠٦