تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وغيرها، امكننا ان نتصور جيدا مدى الاهمية التي يكتسبها موضوع اللغة العربية في الدهن العربي منذ امد بعيد، ومقدار ما يخلقه هذا الموضوع في الاوساط المتعلمة بالعالم العربي من اهتمامات وما يثيره من احاسيس وانفعالات.

وليس من شك في هذا القدر من الوعي اللغوي الذي اجتاح الاقطار العربية في العقود الاخيرة، كان له تاثير بعيد على حياة اللسان العربي في حاضره ومستقبله، ولاشك ايضا ان هذا التاثير قد اتخذ بالفعل مظاهر جدية اساسية ساهمت بكيفية فعالة في تطوير العربية الحديثة وتفسيح افاقها التعبيرية المختلفة وتوسيع المجال المعنوي الذي تمتد عليه توسيعا هاما وايجابيا، وقد امتد هذا التطور بالفعل على ميدانين رئيسيين:

1/ ميدان اللفة كوحدة تعبيرية مستقلة حيث تم توليد العديد من المفردات اللغوية المختلفة عن طريق الاعتماد على الاشتقاق والنحت والتعريب والتجديد المعنوي وغير ذلك، واصبحت هذه المفردات بما تتخذه من صور متعددة وما تعبر عنه من مفاهيم جديدة حية عامل اغناء عظيم للغة العربي المعاصرة واساس تركيز قوي لحيويتها وقدرتها على مواجهة التحديات اللغوية العالمية المعاصرة.

2/ ميدان الطرق المتبعة في التاليف بين المفردات وما تضمنه الجمل المنبثقة عن هذا التاليف من فنون مستحدثه في التعبير واساليب جديدة في مناهج الكلام.

ان الاشواط التي قطعها النشاط الاصلاحي اللغوي بهذا الاعتبار تكتسي بالفعل اهمية بالغة، ومقارنة بسيطة بين الفنون التعبيرية اللفظية بالعالم العربي في مطلع هذا القرن وبين المستوى الذي بلغته الان تكفي لاثبات ذلك وتاكيد مدلوله تاكيدا مطلقا.

غير ان هذا التطور - على الرغم مما يكتسيه ن اهمية - لم يحل - كما هو ملحوظ - دون وجود المشكلة اللغوية العربية على العموم، وزيادة تشعب بعض الجوانب من هذه المشكلة وتضاعف عناصر التعقيد فيها سواء على الصعيد الاكاديمي النظري البحث او في المجال التطبيقي العملي، بل ان هناك من الظواهر ما يجيز التاكيد بان المجهودات الاصلاحية اللغوية التي بذلت في العقود الاخيرة قد كان لها - بقدر ما اتاحته من نتائج طيبة حميدة - اثر بالغ في بروز كثير من المشاكل المعقدة التي اخذت تشكل بالفعل عرقلة نسبية في طريق التطور النهائي المنشود للغة العربية الحديثة، لقد كانت المشكلة اللغوية العربية في بداية وجودها مشكلة قصور ظاهري في التعبير، ونقص ملحوظ في الاداء، ولم يكن هذا القصور وذلك النقص الا مظهرا جزئيا لما كان يخيم على جونا الفكري ولالحضاري منذ الغزو التتري من تخلف وتدهور بالغين، ولذلك فقد كانت المشكلة اللغوية عندنا مشكلة طبيعية ذات اسباب معقولة ونتائج منطقية محتومة، وكان السبيل إلى حلها بالطبع هو سبيل العرب إلى حل المشكلة الحضارية العامة التي تواجههم باستمرار والتي هي وليدة التفاوت الكبير بين مطامحهم في استرداد المجد الغابر وبين حقائق الحياة الحضارية المعاصرة.

لقد كان هناك مجال واضح اذن لحل هذه المشكلة، وهو العمل على تطعيم اللسان العربي بعناصر تجديدية ملائمة وتطويعه لمقتضياتالتعبير عن واقع الحياة الصناعية والعلمية والتيكنولوجية والفكرية الحديثة، واستغلال الامكانيات الذاتية التي تتوافر له في هذا المقام كالاعتماد على اساليب الترجمة والتعريب بمختلف مناهجهما وصورهما العديدة المتنوعة، لقد كان من الممكن كما لا يزال الان تصور المشكلة والحلول المقدرة لها على هذا الاساس البسيط من الناحية النظرية المبدئية، غير ان طبيعة التطور الذي ال اليه حل هذه المشكلة، وحقيقة الظروف الفكرية والتاريخية التي تم فيها هذا التطور قد ساهم كل ذلك في تعديل نتائج هذه التقديرات، وافضى بقضية الاصلاح اللغوي إلى مجالات فيها منالتشعب والتعقيد قدر كبير، وهذا التشعب هو الذي يجب ان ياخذ من اهتمام الراي العام اللغوي في البلاد العربية، وذلك بعناية توازي في اهميتها ما يبذل من جهود في سبيل توليد الالفاظ والمصطلحات، وما يتوافر من حرص على ابتداع اشكالها واستحدث صورها المختلفة المتعددة.

اما المظهر الذي يتجلى فيه هذا التشعب فيبدو في تعدد صور المصطلحات الحديثة بالعالم العربي، وتماثر انواعها واصنافها المتكررة المتنافرة، وتباين مصادرها وماخذها الخاصة والعامة، واختلاف

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٥٠٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٥٠٤