والحق انه ليس من المفيد في شيء ان نمسك بكتاب (المنقذ) فنحلله تحليلا خاصا وتوجهه دون وجه حق توجيها مغرضا قصد ان نقول في النهاية ان الغزالي لم يكن يطلب الحقيقة بل كان يسعى نحو المجد والشهرة وان ينصب نفسه حجة للاسلام ومصلحا للجمهور في عصره وفي الاجيال القادمة، ثم نعود فنحاول الاعتذار له عن كذبه ذلك بانه كان يقصد الاصلاح، وان ذلك لفائدة الناس وان الكذب في هذه المواضيع ليس حراما، لأننا اذا جردنا الغزالي من نياته الصالحة واقترن اسمه عندنا بالسعي الىالشهرة والمجد، فلا موجب لان نعتذر له بما سعى اليه من الاصلاح، ولكننا - وقد قلنا كل هذا - هل نرىان الغزالي لم يجاوز الحقيقة المطلقة فيما حكاه عن نفسه؟
ان اللهجة الخطابية المؤثرة والاسلوب القوي الجميل اللذين استعملهما الغزالي في هذا الكتاب بالاضافة إلى وقوفه عند بعض النقط وتحليلها اكثر مما يجب، وكذلك الشروح والمواعظ والارشاداتالتي يصعها ضمن الكتاب .. كل هذا يحملنا علىالقول بان القصد من هذا التاليف ليس مجرد سرد الحقائق ووصف المراحل التي مر بها الغزالي سردا تاريخيا محكما.
ان الغزالي ليس مؤرخا، انه (فقيه) كما يقول الاستاذ عبد الجليل.
لقد قصد الغزالي زيادة على وصف حقيقة احواله الوعظ والارشاد وتقديم المثال، ولذلك فلسنا ننتظر من الغزالي ان يذكر التفاصيل التي مر بها في حياته، وما الذي سوف يستفيذه الناس منتفاصيل حياة الغزالي؟ وما الذي يلزمه ان يعترف لنا اكثر مما اعترف؟ لقد كان يشير إلى الحقائق اشارة لا تخفى عندما كان يفضل بين مرحلتي حياته ما قبل الخروج من بغداد وما بعده .. انه لم ينكر ما كان عليه امره قبل عزلته، لم ينكر ان يطلب العلم لغير الله وانه بعد ذلك عاد فاصلح من شأنه وراجع موقفه واعتزل العالم رغبة فيما ينفعه يوم القيامة، وانه رغم عودته من سياحته في بلاد الله بقي معتزلا ولم يعد إلى التدريس حتى علم ان عزلته لن تفيد في اصلاح ما فسد من امر المسلمين ولن تقوم ما اعوج من سلوكهم.
لقد كان عليه اذن ان يستجيب مرة اخرى لضميره فذلك الضمير الذي اشار عليه باعتزال الناس والمجد الزائف هو الذي نبهه إلى خطر سكوته على فتور العقيدة وتدهور حال المسلمين.
ان الغزالي قد صور هذه الحقائق التي عاشها تصويرا جميلا واكسبها روعة من اسلوبه النابض بالحياة فجعلها مؤثرة تطرق القلوب قبل الاسماع، لان ابا حامد كان يسعى إلى الارشاد والتهذيب والتعليم.
فهو لم يلق إلى الناس بقصة حياته جزافا او على طريقة الاوروبيين في (الاعترافات) بل هو قد اغتنم حكاية حياته لكي يرشد الناس ويعلمهم ويبث فيهم الحماس للذين الذي كان يلاحظ بانه يضعف وينهار .. واذا رجعنا إلى ما وصفه لنا الغزالي في (المنقذ) مما يدل على تدهور حالة الناس في عصره من الناحية الدينية لالفينا انه كان واجبا على رجل كابي حامد ان ينهض فيحتمل مسؤولياته كاملة.
فليس لنا اذن ان نتهم بغير وجه حق رجلا مخلصا في الدين منافحا عنه بسوء النية والقصد إلى الشهرة وحب التقديس، فهذه امور لا يستطيع احد ان يتاكد منها تاكيدا تاما خاليا من الشك.
ونحن نظلم ابا حامد ظلما كبيرا اذا جعلنا حياته سلسلة ن الحيل والخداعات ومحاولات الشهرة بجميع الطرق والاشكال.
وبٍلك يمكن القول ان كتاب (المنقذ من الضلال والموصل إلى ذي العزة والجلال) يمكن الاعتماد عليه إلى حد كبير في التعرف على حياة ابي حامد الغزالي ومراحلها الفكرية، حقا انه ليس مصدرا للحقائق التاريخية المجردة عن كل عامل شخصي، لما يتسم به من طابع محاولة الارشاد والتعليم وذلك ما يستطيع الاستاذ عبد الدايم البقري ان ياخذه على الكتاب، ولا زائد على ذلك.
«انتهى»