التردد عليه حتى تاثر به تاثرا عميقا يبدا غير مشعور به في الاول، ولكنه يتضح شيئا فشيئا حتى لكانه يشمل النفس الانسانية كلها.
ان مجرد ممارسة عمل من الاعمال لمدة طويلة يطبع الممارس بطابع لا يفارقه، فالغزالي الذي خاض في المسائل العقائدية وبحث في كلام اوتعمق في دراسة مسائل علم الكلام، وقام بتدريسها واستكشف افكار التعليمية وناظرهم لابد ان يخرج من ذلك باثر يطبع عقيلته بطابع ما.
ومن ذلك يبدو واضحا ان الغزالي عندما خرج من بغداد ليقوم بتجربته الصوفية الكبرى، لم يكن يسعى إلى الحقيقة - كما قد يفهم الكثيرون - فقد انكشفت له الحقيقة ورسخت في نفسه الاصول الثلاثة: الايمان بالله وبالنبوة واليوم الاخر .. فكيف انكشفت له هذه الحقيقة؟ .. بقرائن وتجارب ذات تفاصيل لا تدخل تحت الحصر .. ان الغزالي لم يستطع التعبير عن كيفية ادراكه للحقيقة .. لان الامر لم يتعلق بدليل عقلي بل بتجمع لا شعوري لاثار الدراسات الماضية ..
لهذا نقول ان الغزالي عند خروجه من بغداد لم يكن يسعى نحو ادراك الحقيقة بل كان يسعى نحو مطابقة الفكر للعمل.
نعم لقد وصل الغزالي إلى الحقيقة الالهية والى النبوة، والى الايمان باليوم الاخر فما موقفه من الوضع الذي كان فيه؟
لقد التفت إلى نفسه فوجد انه منغمس في العلائق، وان نيته من اعماله حتى اشرفها - وهو التدريس - لم تكن خالصة لله، بل كان القصد منها طلب الجاه وانتشار الصيت.
ان ذلك لا ينسجم مع ما وصل اليه من الحقائق .. لا ينسجم مع الايمان باليوم الاخر وما يجب ان يقدمه فيه من اعمال صالحة صادرة عن نيات صالحة .. عليه اذن ان يتزود ليوم القيامة بما ينفعه، فان هذا الذي هو فيه ليس الا بضاعة الدنيا الفانية وان الاخرة لهي دار القرار.
هنالك نشا الصراع بين الفكر والعمل .. ذلك الذي ينشا دائما عند اصحاب الضمائر الحية والنفوس الواعية الكبيرة الذين لا يرضون لانفسهم التناقض ولشخصياتهم الانقسام.
يجب ان تنسجم الفكرة والعمل .. هذه هي الازمة.
وكذلك تغلب الفكر عند الغزالي فقام بارادة من حديد يحطم جميع الاسس التي كان قد بني عليها شخصية زائفة لا تليق به .. لا تليق بنفس كريمة كتبت لها السعادة فحرصت عليها.
قام ابو حامد الغزالي إلى اذن بانقلاب شامل في حياته العملية مبرهنا على ان العمل يجب ان يخضع دائما للفكر والا فلا قيمة لاي منهما .. وكذلك خرج الغزالي من بغداد يطلب التجربة الصوفية.
فلماذا نتهم الرجل بانه كان يسعى فقط نحو الشهرة وانتشار الصيت؟ ان الاستاذ البقري لا يعتمد في الواقع الا على تصريح الغزالي الذي طالما اشرنا اليه، ولسنا نرى في تصريح الغزالي بانه كان يطلب الشهرة قبل خروجه من بغداد دليلا كافيا لان نشيع ذلك على حياته كلها.
يرى الاستاذ عبد الجليل في احدى مقالاته في موضوع اخلاص الغزالي ان البقري قد اهمل دراسة الظروف التاريخية وان النصوص التي اقتبسها من كتب الغزالي الاخرى على ندرتها واختصارها وما صرح به الغزالي في المنقذ .. كل ذلك قد استغله البقري استغلالا مذهبيا في تاييد اتجاهه الذي يحاول تارة ان يجعل الغزالي متناقضا مع نفسه وتارة اخرى ان يبين الاكاذيب الملفقة في سرده للحوادث.
ومعظم ما يستنتجه البقري ليس استنتاجا بالمعنى الصحيح بل هو - كما يرى الاستاذ عبد الجليل - عبارة عن تحليلات نفسية وفهم خاص لعبارات الغزالي يتوافق مع نظرية البقر الخاصة.
ان التحليلات النفسية لا تغني عن الادلة الواضحة شيئا، ولا يمكن ان تقام عليها النظريات الثابثة، بل ان غاية ما تصلح له ان تكون موجهة للباحث نحو فرضيات مشكوك فيها، وعليه ان يدعمها بعد ذلك بالبراهين، والا بقيت مجرد فرضيات تحتاج إلى ما يؤيدها.