يسعى لان يترك للجيل القادم صورة جميلة عن شخصيته، وان يجعل من حياته نموذجا يحله - دون منازع - المحل الاسمى في مختلف مجالات الفكر وشتى مظاهر الحياة الاسلامية في عصره، وخاصة في المجال الصوفي العملي، وفي سبيل ذلك قدم لنا اعترافات ان لم تكن كلها مغلوطة فهي لا تقابل أي واقع تاريخي ...
ان البقري يستعمل في كتابه لهجة عنيفة قوية ... وقد بدأ له ذلك ضروريا لخطورة الموضوع وللاهمية التي اعطيت لكتاب (المنقذ) في بيان الحقيقة التاريخية لحياة الغزالي.
فاذا انتهى البقري من ابداء رايه الاخير، بدأ يحاول تلمس الاعذار لابي حامد .. ان الغزالي يحدد في كتاب (احياء علوم الدين) المواضيع والظروف التي يجوز فيها الكذب من الناحية الشرعية .. والغزالي يحاول هنا اصلاح الناس، وهو لا يضر احدا بتلك الاقوال واذن فكذبه هنا مسموح به.
***
والآن ما موقفنا من كل ذلك؟
نحن متاكدون من ان الغزالي قبل خروجه من بغداد كان يطلب لغير الله، وكان يقصد إلى الشهرة والصيت، وذلك لانه يخبرنا بهذا بنفسه بكل وضوح وصراحة ..
ومن ذلك نعلم ان الغزالي لم يكن يقرر الحقيقة التي يمن بها عندما حاول دحض اراء الفلاسفة في كتاب (التهافت) وانما كان يقصد إلى اظهار براعته وحيازته قصب السبق امام جميع المتكلمين الذين حاولوا فلم ينجحوا الا قليلا، ولم يكن ما ساقوه - كما ذكر الغزالي - الا كلمات مبددة معقدة ظاهرة التناقض.
وصحيح ايضا ان الغزالي قد استمع إلى اوامر الخليفة فالف (المستظهري) في الرد على التعليمية، وانه كان يسعى من وراء ذلك إلى افحام هؤلاء الذين اشتهر امرهم، والى نبل الحظوة وارضاء الحكام.
وصحيح ايضا انه اقتبس الامثلة التي تؤدي إلى الشك في الحسوسات والمعقولات من السفسطائيين الاولين.
وصحيح كذلك انه قد خرج من الشك وحده بنور قدفه الله في قلبه وتركنا نحن حيارى .. إلى ان يقدف الله في قلوبنا نورا مشابها.
ولكن هذا كله لا يقوم دليلا على ان الغزالي لم يكن يتطلع إلى الحقيقة، ولم يكن يسعى اليها بل من المؤكد ان ابا حامد كان وراء تلك التهجمات والمجادلات، ووراء ارشاء الخليفة بالكشف عن اباطيل التعليمية - كان يحاول التعرف على الحق وليس ذلك بامر غريب.
نعم ان الغزالي عندما كان يناقش الفلاسفة ويحاربهم لم يكن - كما ادعى - غير ذاب عن مذهب معين بل من الواضح انه كان يدافع عن مذهب اهل السنة، وان لم يكن ذلك قصده الاول، بل كان يستعمل مذهب اهل السنة كمقابل يعاكس به الفلاسفة ويشاكسهم.
ويجب الا يغرب عن بالنا ان الذي يريد تشويه سمعة الفلاسفة لدى الناس يجب ان يظهر انهم مخالفون للمذهب الذي يرى الناس فيه المذهب الحق، وذلك لان الغزالي عندما كتب في الفلسفة والرد على الفلاسفة لم يكن قد انكشف له شيء من الحق الذي لا غبار عليه، ولكنه كما ذكرنا كان ساعيا نحو الحقيقة من جهة، ومستعملا لمذهب اهل السنة الشائع في الرد على الفلاسفة.
ان الاستاذ البقري اراد ان يبرز طلب الحقيقة ومحاولة الهدم لاجل الشهرة وطاعة الخليفة على انهما امران متناقضان لا يمكن اجتماعهما، ولسنا نرى ان الامر يبلغ هذا الحد.
وقد لاحظنا ان الغزالي يقول قبل انتقاله إلى وصف تجربته العملية وخروجه من بغداد (وكان قد حصل معي من العلوم التي مارستها والمسالك التي سلكتها في التفتيش عن صنفي العلوم الشرعية والعقلية ايمان يقيني بالله تعالى وبالنبوة وباليوم الاخر فهذه الاصول الثلاثة من الايمان كانت قد رسخت في نفسي لا بدليل معين محرر بل باسباب وقرائن وتجارب لا تدخل تحت الحصر تفاصيلها).
ان هذا الذي يقصه علينا ابو حامد امر يقع كثيرا، فطالما خاض باحث في موضوع واكثر من