دعوة الحق، س 4، ع 9 - 10/يونيه -يوليوز 1961 .................... ص30
المراحل الفكرية لحياة الغزالي
للاستاذ محمد صالح الزعيمي
-2 -
هل يمكننا حقا ان نطمئن إلى قصة الغزالي عن نفسه ونعتمد عليها اعتمادا موضوعيا للتعرف على افكار الغزالي، وتطوراته النفسية؟
فقد كان هذا حال معظم الباحثين المستشرقين منهم وغيرهم، اذ كانوا يتقبلون ما اورده ابو حامد في كتاب (المنقد) تقبلا تاما.
الا ان الشك قد تسرب إلى نفوس بعض الباحثين في القيمة التاريخية لكتاب (المنقد من الضلال)، ومن بين اولئك الاستاذ ابو العطا عبد الدايم البقري الذي حرر كتيبا بعنوان (اعترافات الغزالي وكيف ارخ الغزالي لنفسه).
هذا الكاتب لا يثق بكلمة مما قاله ابو حامد في منقذه باستثناء شيء واحد هو ما اعلن عنه الغزالي من انه قبل خروجه من بغداد كان يطلب الجاه، وانتشار الصيت، وان احسن اعماله - التدريس - لم يكن خالصا لوجه الله.
والبقري يتتبع الغزالي خطوة خطوة، وينتقد كل ما مر به محاولا استخراج التناقضات بين ما يدلي به الغزالي من اراء .. يشك البقري فيما يرويه ابو حامد عن شكه وما يمثل به من الامثلة ويرى ان ذلك الشك قد اصطنعه اصطناعا عندما هم بتاليف كتابه. اما الامثلة التي اتى بها الغزالي فهي قديمة اوردها السفسطائيون، ولكن الغزالي حورها وعدل فيها، وهو نفسه كان قد اتقدها عندما هاجم التعليمية.
ويقارن البقري بين شك ابي حامد وشك ديكارت، فيفضل الثاني على الاول ويرى ان ديكارت قد اشركنا في الخروج من الشك واخرجنا معه منه .. بينما اعتمد الغزالي على نور قذفه الله في قلبه، فخرج من الشك وحده وتركنا حيارى، فديكارت قرب بين مرحلتي الشك واليقين حتى جمع بينهما، بينما باعد الغزالي بين يقين لا يتطرق اليه الريب، وشك لا يخرج منه، ثم انفلت منه وحده، وتركنا في ظلماته، ولذلك يقرر البقري ان الغزالي لم يشك مطلقا، وانما تجمل بايراد ما اورده لكي يتميز عن جمهور المقلدين فيصبح بذلك مرموقا.
ويلاحظ البقري ان ابا حامد لم يخرج عن ربقة التقليد عندما حصر الحقيقة في الفرق الاربع فاا درس الغزالي على الكلام ثم انصرف عنه، كان في ذلك مجال واسع لتساؤلات البقري: كيف لا يجد الشفاء فيما يقول هؤلاء وهم اهل السنة، وليس ما يقولونه الا القرءان والحديث؟ .. هذا ليقول البقري في الاخير ان مقصد الغزالي هنا ايضا ان يبين ان هؤلاء المتكلمين لا ينتفع بهم الا العامة، اما امثاله فلا .. لان ما يحصل من الاستفاذة للناس من المتكلمين انما هو (حصول مشوب بالتقليد فيما ليس من الاولويات).
اما في موضوع الفلسفة فيرى البقري ان هناكتناقضا في كلام الغزالي تنشا عنها نظريتان:
أ - ان الغزالي درس الفلسفة ليعثر على الحقيقة.