واذا علمنا ان محاولة تجديد وتوسيع ملكاتها التعبيرية لم تبدأ الا منذ ثلاثين سنة، ادركنا السبب الذي جعل هذا الجيل من الشعراء لا يتجاوز مستوى التقليد والتاثير بالغير، فهو يبذل من الوقت والمجهود في سبيل تطوير العبارة لعربية وترويضها ما لا يترك له المجال للتفرغ كما يجب لمحتوى القصيدة.
فاللغة العربية تجتاز الان، في الواقع، عصر انتقال، والاطوار الانتقالية في التاريخ لم تكن، في الغالب، تقترن بالفترة التي يعظم فيها الانتاج وتبلغ الصنعة اوج كمالها وتنضج المحاولات والابتكارات الفنية.
ومع ذلك، فالانصاف يقتضي منا ان نسلم لبعض الشعراء امثال الشابي ونازك الملائكة وعلي محمود طه بالمهارة والذوق الفني الرفيع، فقد ساهموا خير مساهمة في اصلاح اللغة العربية، معيدين لها شيئا من ماء شبابها، ومبرزين جوانب طريفة من جمالها.
خاتمة:
راينا في هذه السلسلة من المقالات كيف نشات وتطورت نظرة شعرائنا إلى الربيع والى الطبيعة، بوجه عام، فبعد ان راوا الطبيعة في ازدهارها كالحسناء التي يستمتع بجمالها، وبعد ان رأوا فيها الخلوة الملائمة لحياتهم الابيقورية، ولايامهم ولياليهم القاصفة الراقصة، اذا بهم، بعد الاطلاع على الاداب الاوروبية، يكتشفون لنا وجوها اخرى اكثر صفاء واشدخلوصا من شوائب اللذة الحسية، فاذا هي ملجا الشاعر الوحيد عندما تضايقه الحياة الاجتماعية بكذبها ونفاقها، واذا هي في عينيه صورة المثل الاعلى في الطهارة والبراءة والحب الصادق، واذا هي انعكاس لما يتكاءد نفسه من وحزن والم، واذا هي مسرح احلامه الطويلة العميقة.
نعم، لقد تبدلت النظرة، وتغيرت المفاهيم، ولكن المشاعر ظل كما هو، وففيا للطبيعة، متجاوبا معها، فحواره الطويل معها لازال مسترسلا مهما تغيرت الاساليب والاشكال، واقباله عليها يستوحيها ويرى فيها احد ينابيع الشعور الغزيرة لم يطرا عليه أي فتور.
وهذا التعلق انما يدل على ان الشاعر لم يكتشف بعد سر الطبيعة، فهو يحوم حوله متلهفا مشوقا، وهو في بحثه عن هذا السر المكنون، يكشف لنا اسرارا اخرى ربما لم يكن يتوقعها، فما اشبهه بعالم الكيمياء في القرون الوسطى الذي كان يبحث عن الذهب فلم يتوصل اليه ولكنه اكتسب بتجاربه العديدة ثروة من المعلومات عن العناصر والمركبات صارت فيما بعد نواة لعلم الكيمياء الحديث.
وبعد، هل يحق لنا ان نقول اننا استفدنا دراسة الموضوع واحطنا بسائر جوانبه؟ سيكون من قبيل الدعوى ان نتقدم بمثل هذا القول، فلازالت هنالك مسائل جوهرية لم نتعرض لها ولو باشارة وكان بودنا ان نقف عندها، ولازالت هنالك تحليلات جد شيقة عن شعر الربيع وانواعه وفنونه، ولكن المواضيع الادبية لا ينضب معينها لمن يزيد ان يتتبعها، فهي كالاكلة الشهية التي تثير شراهة من ليس بشره، ولذلك، فاننا سنرفع يدنا عن الطعام ونحن نشتهيه.
- انتهى-