تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فتطل الاشباح من كوة الوهـ

ـم وتعوي مجنونة في العراء

وتموج الاصداء من زفرة الار

ض باذن المهابة الصماء

صور افرغت على اذن الشا

عر نجوى علوية الايحاء

وما اخال القارئ الا يتاسءل معنا امام هذه القصيدة هل هو يقرا شعرا لابن حمديس الصقلي او لشاعر معاصر.

وقد تحدث ابو ريشة كذلك على الزهرة، ولكن، شتان بين حديثه وحديث علي محمود طه في "ميلاد زهرة" فهو قطعته "زنبقة" تن كان ينبئ عن احساس مرهف وقدرة على الوصف والتصوير، فانه لا يتوفر على سعة الخيال وطول النفس اللذين نجدهما عند الشاعر المصري:

الفيتها مخضلة في روضها

والفجر بين ذيولة يطويها

حتى اذا انتفضت عليه، تجمعت

انفاسه، وتجمدت في فيها

ومايلت تيها، بعرس فتونها

وزهت على روحي فتونها يبكيها

والطيب مسفوح على جنباتها

بهمي على روحي بما يشجيها

فلويت في شبه الذهول اناملي

وقطفتها .. لهفي لمن اهديها

***

الشعر المعاصر بين التقليد والابتكار

هؤلاء الشعراء المجاليون نستطيع ان نسميهم ايضا شعراء الذوق، فهم حينما يطلعوننا على افانين جديدة من الشعور والخيال، وحينما يقدمون لنا صورهم المختلفة الاشكال والالوان، انما يعملون، عن قصد، على تطوير ذوقنا وترقيته.

والمجتمعات والامم قد تكون بارعة في العلوم والصناعات، وقد تكون لديها انظمة ومؤسسات محكمة، وقد تكون غنية بثروتها الاقتصادية وتجارتها، ولكن، اذا اعوزها الذوق، فان حضارتها تصبح ناقصة ن عنصر اساسي، لأن الذوق الصق بكيانها وذاتيتها ولانه عنوان على الشخصية وما تنطوي عليه.

ولذلك فان الطائفة من الشعراء التي راينا، وان عاب عليها بعض النقاد كةنها تدين بمذهب الفن للفن وتفضل الانزواء في الابراج العاجية على مخالطة الجمهور، لها كذلك دورها في المجتمع وان كان دورا لا يظهر اثره الا بعد حين، هذا الدور يتجلى، كما راينا، في تطور الذوق العام وتغير الشعور والاحساس لدى الجمهور، الشيء الذي يكون له المفعول البين في مختلف الفنون والصناعات الشعبية.

ولعله قد حان الوقت لنخرج بنتيجة من هذه النظرة الخاطفة التي اليقيناها على شعرنا المعاصر فيما يخص موضوع الطبيعة، وقد كنا وضعنا سؤالا في الاول لنرى هل استطاع شعراؤنا ان يتحرروا في ان واحد من تقليد القدامى ومن تقليد الغربيين لياتوا بشعر عربي اصيل، ولكنه جديد في اتجاهاته وينابيع وحيه.

وقد امكننا ان نتحقق من خلال نظرتنا القصيرة ان شعراءنا في الغالب لازالوا لم يستطيعوا الانعتاق من التقليد، وخاصة في المعاني والافكار، فهم اما تجذبهم فحولة القدامى وجزالتهم وعبقريتهم فينحون نحوهم وياتوننا بقريض قد يكون جميلا وجليلا، ولكنه تعلوه مسحة القدم والبلى، وتتقبله نفوسنا ان هي ارتاحت اليه كتحفة اثرية، واما يفتنون بالشعر الغربي وتغريهم افاقه الرحبة واغراضه المتعددةومدارسه المتخلفة، فيطمحون إلى اقتفاء اثره والنسج على منواله، وانهم، والحق يقال، ليركبون، في هذه الحالة الاخيرة، مغامرة ليست بالقصيرة ولا بالسهلة، اذ لم يكن من اليسير على اللغة العربية التي لم تتغير منذ القرن الرابع الهجري ان تستيغ وتهضم اساليب واخيلة وافكارا انتهجت في هذا العصر الذي اصبح التطور يسير فيه بخطى حثيثة.

كان اذن، من المفروض على شعرائنا ان يقوموا بتحديد اللغة، وينفثوا فيها القوة والحياة حتى تتسع للتعبير عن الاغراض الجديدة التي بدأ الشعر العربي يرنو اليها، فاذا ماكانوا الاداة الصالحة، امكنهم حينئذ ان يدخلوا في طور الانتاج الصحيح.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٤٩٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٤٩٢