تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يتضح من هذه النظرة العابرة على شعر المهندس ان الشاعر جديدر بان يحتل مكانا خاصا في شعرنا المعاصر لانه ادخل اسلوبا جديدا في الشعر العربي ونطق بلهجة جديدة، وقد غمط بعض النقاد حقه لانهم لم يفهموه، وربما لم يكونوا مستعدين لفهمه، فالتجديد، وخاصة في الشعر، يصعب تقبله لاول وهلة ودون ترويض.

فالدكتور شوقي ضيف مثلا، لا يرى في قصائد المهندس الا "ضجيج الالفاظ الخلابة" ويقول في هذا الصدد: "ليس علي محمود طه صاحب نزعة فلسفية في شعره، ولا هو صاحب نزعة نفسية، انما هو صاحب الفاظ ينفخ فيها، وكانما ينفخ في ابواق، فيحدث ضجيجا يشبه ضجيج الطبل في الافراح، ضجيجا فيه طنين ورنين، ولكن ليس فيه فكر ولا معنى ولا روح، وانما فيه الالفاظ التي تضغط على الاعصاب بكثرتها واختلاطها واضطراب اصواتها وانغامها".

والحقيقة ان الدكتور شوقي ضيف لم يقدر بانصاف ملكة التصوير والخيال التي يمتاز بها علي محمود طه ولم يفتح نفسه لتفهم شاعريته وادراك مقاصده، ةقد بالغ في نكران فضله. ولست اريد هنا الدفاع عن الشاعر ولا يتسع المقام لذلك، ولكن ارى من الواجب الاعتراف له بما اداه من خدمة صادقة في ميدان تحديد الشعر العربي، ومجهوده يتجلى اولا، في ناحية اللفظ والاسلوب، فهو يمتاز بتلك الموسيقى التي تنسجم مع المعاني وتتناسق مع الشعور.

كما يتجلى هذا المجهود في ناحية الافكار والمضمون، فهو يختار موضوعاته بروية واجتهاد، ولا ينظم في أي شيء كان، فاذا تكلم لنا عن الطبيعة، استطاع ان يستغني عن تلك الصور المبتذلة والتعابير الماكولة لينقلنا إلى جوه الطريف ويثير في نفوسنا شعورا غريبا عنا ولكنا نرتاح اليه ونجد فيه متعة والتذاذا.

اجل، قد يلاحظ على علي محمود طه انه كغيره من الشعراء الجمالين، ينظر إلى الاشياء من زاوية خاصة يضيق معها احيانا الافق الشعري والفلسفي، وقد يؤخذ عليه ان مذهبه الجمالي جعله يظل مغلقا على بعض العواطف الانسانية التي لها وزنها في الادب والشعر، فهو لا يعرف جانب الالم والشقاء والبؤس، وشعره لا يدخل في عداد ادب الكفاح والالتزام الذي قامت دولته في هذه الايام، ومع ذلك فان هذا لا يطعن في قيمة شعره ولا يعطينا الحق في ان نلومه على كونه لم يقل الشعر الا في المواضيع التي اختارها هو بنفسه.

وهناك شاعر جمالي آخر لمع اسمه في سماء الشرق هو عمر ابو ريشة، وهو ايضا ذو مهارة في التصوير والرسم الا انه ظل متاثرا في اخيلته ومعانيه بشعرائنا التقليديين امثال ابي تمام وبن الرومي، ولم يستطع ان يتحرر تماما من ثقافته الكلاسيكية مثل علي محمود طه، فهو حين يصف لنا قدوم المساء ينحصر مجهوده الفني في السلسلة المتماسكة من التشبيهات والاستمارات، أي انه لا يخرج عن نطاق الوسائل البيانية التي ورثناها عن القدامى ولذلك فنحن لا نحس لدى قراءته بان عنصرا جديدا دخل على الشعر العربي:

ماتم الشمس ضج في كبد الاف

ـق واهوى بطعنة نجلاء

عصبت ارؤس الروابي الحزانى

بعصاب من جامدات الدماء

فاطلقت من خدرها غادة الليـ

ـل وتاهت في ميسة الخيلاء

واكبت تحل شعرها تترامى

في فسيح الافاق والاجواء

وعيون السماء ترنو اليها

من شقوق الملاءة السوداء

فاذا الكون من جلال

فجرتها انامل الظلماء

يرسف الطرف في مداها ويطفو

ثم يرتد فاقد الارتواء

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٤٩١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٤٩١