تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالشاعر في هذه القصيدة، كما قلنا في الاول، يبين عن روح فنان يتعشق الجمال ويجعله غايته لا يقصد شيئا غيره، فهو لاتعترضه في حياته الباطنية مشلكة او ازمة من النوع الذي يقاسيه شعراء امثال الشابي ونازك الملائكة، بل انه مشغول عن نفسه بالبحث عن صور الجمال، سواء في الماضي او الحاضر، في الواقع او الخيال.

فقوة الشاعر هي في هذا التصوير الحي وفي تلك الالفاظ وذلك الاسلوب الذي "يشع الحلم الشاعري" على حد تعبير الدكتور شوقي ضيف وخصوبة تصويره لا تتوقف على الموضوع الواسع الذي يفسح المجال للقول، كما هو الشان في قصيدة "ليالي كليوبترا" بل انها تتجلى ايضا في الموضوعات الصغيرة والضيقة.

فهو حين يحدثنا عن الزهرة وتفتحها لا يقف به الكلام ولا يقصر نفسه، ولننظر اليه كيف يقدم هذا الحادث البسيط في قصيدته "ميلاد زهرة":

ياشعراء اين البيان

اين اغاريد الهوى والحنان؟

قد ولدت في روضكم زهرة

يا حسنها بين الزهور الحسان

حلم الفراشات، وحب الندى

وخمرة النحل، وسحر الاوان

قد بشر الارض بها مرسل

مجنح من نسمات الجنان

والنور سر في ضمير الدجى

والفجر طيف لم يبن للعيان

ابصرتها تهفو على غصنها

في وحشة الليل وصمت المكان

بيضاء، او حمراء، تزهى بها

عرائس النرجس، والاقحوان

وشعراء الروض الذين يخاطبهم الشاعر هم الطيور التي ظلت نائمة في اعشائشها قبيل الفجر، فلم تحضر لميلاد الزهرة ولم تحتفل بهذا الحادث كما يقتضي المقام، ولذلك فهو يلوم هؤلاء الشعراء الكسالى:

تظل تصغى، وتظل الربى

والعشب، والجدول، والشاطئان

وليس منكم حولها هاتف

تسكب موسيقاه سحر البيان

هل ملت الخمرة اقداحكم؟

ام نضيت من خمرهن الدنان؟

قوموا انظروا لظل على مهدها

يرقص فيه القمر الاضحيان

لو تقدر الانسام زفت لها

اربعة الفردوس في مهرجان

واسمعت من خفق انفاسها

صوت البشيرات، وشدو القيان

يا شعراء الروض عم زهرة

ميلادها من حسنات الزمان

فالشاعر في هاته القصيدة، ايضا، ينبئ عن روح هائمة في الجمال، منسجمة مع الجانب المشرق الضحوك في الحياة، فهو يجهل التعقيدات النفسانية، ويجهل التاوهات الرومانطقية، ويسد الباب في وجه الهموم والاتراح، ويدعو إلى التفاؤل والفرح بايام الربيع، فهاهو في قطعة "اغنية الحب" يرفع عقيرته بهاته الدعوة:

يارفاقي هذه الساعة من حلم الزمان

ان هذا زمن الحب، فضجوا بالاغاني

ارفعوا الاقداح ملاى واشربوا نخب الحساب

فالربيع السمح يدعوكم إلى اقرب حان

***

الربيع المرح الجدلان يختال فخورا

انه الحب الذي يملا بالحب الصدورا

كيف لا تقطف منه الحلو النضيرا

انت ايتها الشمس املاي الافاق نورا

***

يارفاقي، قد دعانا زمن الحب فهيا

اطلع الروض جنى الكرمة والزهر النديا

اقطفوا الازهار منه واعصروا الكرم الجنيا

يا رفاقي قد دعانا زمن الحب فهيا

1 انظر كتاب: دراسات في الشعر العربي المعاصر، ص 139 وما بعدها.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٤٩٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٤٩٠