دعوة الحق، س 4، ع 9 - 10/يونيه -يوليوز 1961 .................... ص25
الربيع في الشعر العربي
للاستاذ محمد زنيبر
-6 -
مع الشعراء الجماليين:
هنالك طائفة من الشعراء ينظرون إلى الاشياء نظرة فنية بحت، فيجعلون غايتهم المثلى هي الارتفاع نحو الجمال بجميع اشكاله وصوره، سواء عن طريق الواقع او الخيال، فالشعر كما يفهمونه ماهو الا طريقة للبحث عن الجمال، ولذلك فهم، حينما ينظمون الشعر، لا يبقون في مستوى العالم العادي المبتذل، وانما ينتقلون رويدا في اناة ورفق نحو عالم مسحور، تشع فيه اضواء غريبة، وتبرز فيه الاشياء في صورة مثالية.
هكذا يبدو لنا الشاعر على محمود طه المهندس فيما نظمه عن الربيع والطبيعة فهو يتقدم لنا كالفنان الهادئ الوادع الذي يرى الحياة تمر امامه بجميع مشاهدها، فلا يفوته منها صغيرة ولا كبيرة، ولكنه مع ذلك، لا يستطيع ان يراها من وراء حلم عميق يغير جوهرها وحقيقتها، ويضفي عليها حلة شعرية تجتهد الكلمات بما اوتيت من موسيقى وايحاء في ابراز مفاتنها.
فهو مأخوذ من صورة المياه الدافقة ووسطها الزورق يجري منصوب الشراع، كما يظهر ذلك في قصيدته "الجندول" المشهورة، وفي قصيدة "ليالي كليوبترة" وغيرهما، فمن صور لجمال عنده الجمع بين هذين المتناقضين: سكون الماء وانطلاقه في مساحات شاسعة وحركة الزورق الذي ينساب على سطحه بخفة ورشاقة.
كليوباترا/ أي حلم من لياليك الحسان
طاف بالموج فغنى وتغنى الشاطئان
وهفا كل فؤاد، وشدا كل لسان:
هذه فاتنة الدنيا وحسناء الزمان
بعثت في زورق مستلهم من كل فن
مرح المجداف يختال بحوراء تغني
فالشاعر يقدم لنا هنا بفن ومهارة ليلة من ليالي كليوباترا، فهو لا يصف لنا الليلة وصفا عاديا استقرائيا، ينفثها في حلم يطوف بالموج فتترائ لنا وكانها بعثت إلى الوجود من جديد وصار لها تاثير في النفس كتأثير الاحداث الواقعية. ثم يصور لنا بعد هذا الزورق في ابيات تمتلئ حياة وتنطوي على اشارات يسرح معها الفكر:
وتجلى الزورق الصاعد نشون يميد
يتهداه على الموج نواتي عبيد
المجاديف بايديهم، هتاف، ونشيد
ومصلون لهم في النهر محراب عتيد
سحرتهم روعة الليل فهم خلق جديد
كلهم رب يغني واله يستعيد
وياتي بعد هذا مقطع كله تصوير تمتزج فيه الالحان بالاضواء والميل بالنجوم والموج بالغيوم، وكاننا امام رسام يتعمد المقابلة في لوحته بين الالوان القاتمة والالوان الناصعة المشرفة:
اصدحي ايتها الارواح بالملحن البديع
ارمحي يا راقصات الضوء بالموج الخليع
زورقا بين ضفاف النيل في ليل الربيع
رنحته موجة تلعب في ضوء النجوم
وتنادي بشجاع راقص فوق الغيوم