غليله، وانتصر لدنياه، وثبت الملك لبني أمية، وأرسل إلى عبد الملك برأس عبد الله، ليقدم فروض الولاء والطاعة لأسياده.
وتطوف الأم بين الناس ساكنة صابرة ثم تردد: "يا بني، أما لهذا الراكب أن ينزل، يا بني ليستأذن أحدكم حجاجكم هذا أن يدفع إلى هذه العظام، أدوا عني، رحم الله من أدى عني".
***
أرسل الحجاج إلى بنت أبي بكر الصديق فأبت أن تأتيه، فأعاد الرسول ولكنها قابلته ساخرة مستهزئة، فما كان من الحجاج إلا أن سحب نعليه وانطلق حتى دخل عليها، ثم قال: يا أماه هل لك من حاجة؟ قالت: لست لك بأم، أنا أم المصلوب على الثنية، ومالي من حاجة، ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يخرج من ثقيف كذاب ومبير .. أما المبير فلا أراك إياه".
تشجع الحجاج ثم خاطب أم عبد الله قائلا: كيف رأيتني صنعت بعبد الله؟ قالت: رأيتك أفسدت عليه دنياه، وأفسد عليك آخرتك، ولم يجد الحجاج مجالا للكلام، فسحب نفسه راجعا، أما أسماء فأغلقت عليها بابها.
***
فكر جماعة من أقاربها في تعزيتها ومواساتها، طرقوا عليها الباب، فأذنت لهم بالدخول، ولم تترك مجالا لكلام أحد، وراحت تتحدث عن سيرتها وتاريخها وأنهت كلامها قائلة:
«يا بني إني آخر المهاجرين والمهاجرات، لم يبق على ظهرها بعد عبد الله منهم غيري، فلا والله ما حسن أن يجزع من هاجر - وإن شان الهجرة لشديد - وما حسن أن يجزع من شهد المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، كيف وقد أربيت على المائة، يا بني جزاكم الله عني وعن أخيكم خيرا، قوموا لشأنكم وذروني وشأني يرحمكم الله".
***
لم تمض خمس ليال على استشهاد عبد الله، حتى قابلت ربها في اثنين وعشرين جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين فلحقت بابنها (أم حنت تكتم حنينها، ولكأنه عجل بها موته فقطع نياطها، وصدع فؤادها، وقلق كبدها عليه، حنينها إليه».