تقدمت بها السنون، وقاربت المائة، وكف بصرها، ولم يسقط لها سن، ونضج عقلها، وقويت ذاكرتها، وحسن كلامها، فأحب الناس حديثها ..
دخل عليها عبد الله وكانت وجعة، فقال لها: كيف حالك يا أماه؟ قالت: وجعة والله يا عبد الله، قال: إن في الموت لعافية. قالت: لعلك تشتهي موتي، لا تفعل، وضحكت قائلة: والله ما أشتهي أن أموت حتى تأتي على أحد طرفيك، إما تقتل فاحتسبك، وإما أن تظهر فتقر عيني .. إياك أن تعرض على خطة فلا توافق فتقبلها كراهية الموت.
تنهد عبد الله ثم قال: إن الناس قد انفضوا من حولي، والقوم يمنونني إن استسلمت، فاعتدلت في جلستها، ووجهت وجهها ناحيته، وصرخت قائلة: يا عبد الله، يا بني، إن كنت على حق فدافع عنه حتى الموت، وإن كنت على باطل هلكت وأهلكت من معك.
قال: ولكني أخاف إن مت أن يمثلوا بي، فقالت كلمتها الخالدة: «الشاة لا يضيرها السلخ بعد الذبح».
***
كان عبد الله يحس نهايته، فلقد صبر على حصار الحجاج أكثر من سبعة شهور في غير حصن ولا منعة، ومن غير طعام ولا شراب إلا بئر زمزم، ومل الناس الحرب فجنحوا للسلم، وسئموا منظر القتلى والجرحى، وفي كل لحظة ينتظرون أمر الله وقضاءه في المتنازعين، ولكن ذلك لم يمنع عبد الله من الاستماتة في القتال، فلقد أعد آخر خطة في جعبته، وصلى الفجر واستأذن البقية الباقية من أصحابه، أن يودع أمه أسماء بنت أبي بكر، دخل عليها، وقبل يدها، ومرت فترة رهيبة، توالت في أثنائها ذكريات الماضي مرت سريعة متلاحقة، لم يقطعها إلا ذلك الصوت الحازم ينادي الخليفة ليقول له: "يا عبد الله، يا بني أنا أمك التي حملتك وإني احتسبتك فلا تهن ولا تجزع، يا بني ابذل مهجة نفسك، ولا تبتعد إلا من النار، يا عبد الله لا تبتعد إلا من النار، استودعك الله".
عاد عبد الله إلى مركز قيادته، وهو أكثر حماسة وشجاعة، فوقف يحث أصحابه على الاستماتة في القتال قائلا: "أيها الناس عجلوا الدفاع، ولا يرعكم وقع السيوف، صونوا سيوفكم كما تصونون وجوهكم، فلينظر رجل كيف يضرب، ولا تخطئوا مضاربكم فتكسروها، فإن الرجل إذا ذهب سلاحه، كان أعزل أعضب، يؤخذ كما تؤخذ المرأة، ليشغل كل امرئ قرنه، ولا يلهينكم السؤال عني، فإني في الرعيل الأول".
***
هجم عبد الله وجنوده على الحجاج، ولكن القدر لم يمهل القائد كي يتم خطته، فقد أصيب بضربة حجر من يد أحد أعدائه فأصاب وجهه، فسال الدم على لحيته، ولم يقو على حمل السلاح، وحدث هرج ومرج في قومه، وشدد الحجاج الهجوم ولم يمض وقت طويل حتى انتهى كل شي، ولم يبق لجنود عبد الله أثر.
***
وصل الخبر إلى مسامع أم الشهداء، فأخرست المصيبة لسانها، وجف ريقها، ولم تجد ما تتكلم به، وماذا تقول وهذا ما كانت تنتظره بين عشية وضحاها، فلقد حقق رغبتها فمات على الحق، ودافع عنه، حتى آخر نفس من حياته وسيلقى ربه فرحا مستبشرا.
أخذت الكفن، وشق الناس لها الطريق حتى وصلت إلى الخشبة التي صلب عليها ابنها، ورفعت وجهها إليه وكأنها تراه، ثم تقول مثنية عليه: "يا بني طبت حيا وميتا، ولا والله ما أجزع لفراقك يا عبد الله، فمن يك قتل على باطل، فلقد قتلت على حق، والله لأثنين عليك بعلمي، لقد قتلوك مسلما محرما ظمآن الهواجر، مصليا في ليلك ونهارك،" ثم توجه وجهها إلى السماء وتمد يدها وتقول: "اللهم إني سلمته لأمرك فيه، ورضيت بما قضيت له، فأثبني في عبد الله ثواب الشاكرين الصابرين، اللهم ارحم طول ذلك القيام في الليل الطويل، وذلك النحيب، وبره بأبيه وبي".
وجم الناس، واقشعرت أبدانهم من هول المصيبة، وأحاطوا بالأم الحزينة يحاولون أن يتكلموا فتنكسر الكلمات على شفاههم، فيغمغمون بكلمات غير مفهومة، كي يخففوا عنها الألم، ولكنهم ينسون أنفسهم، فيبكون، ويجهشون بالبكاء وليس في استطاعتهم أن يفعلوا شيئا، لقد خرج الأمر من أيديهم، وأصبح الحجاج سيده، وأكل الحقد قلبه، فشفى