الجموع التي احتشدت أمام الفرس، فاتقدت نار الفتنة بين السكان، وعقبها فتنة أخرى برجوع من تعمدوا الانسحاب في وقت كان فيه سكان طراودة في غفلة، ونتج عن هذا أن تدفق جنود اليونان على مدخل المدينة فخربوها وأحرقوها وبذا ثم تحطيمها كما يروي ذلك الأقدمون.
هكذا يبدو أن أسباب هذه الحرب، دراما غرامية كان بطلها الأميرة هيلين عشيقة باريز وأن اختطافها كان كافيا- حسب زعم رواية الأقدمين- لاندلاع حرب دامت عشر سنوات.
والواقع أنه من المتعذر جدا أن يكون سبب حرب شغلت بال العالم القديم مدة عشر سنوات اختطاف الأميرة هيلين، بيد أنه من المعقول جدا أن يكون هذا الحادث مناسبة لإشعال نار حرب كانت منتظرة في كل حين بين مدينتين كانتا تتنافسان على احتكار اقتصاد العالم الشرقي والغربي، فأسبابها إذا اقتصادية محض ولا أدل على ذلك من أن العداء بين المدينتين كان يزداد يوما بعد يوم بمقدار ما يتسع مجال التجارة في حوض البحر المتوسط، ووضع طراودة الجغرافي كان يزيد حنق منافستها اسبارطة، فطروادة كانت تقع على مدخل المضائق المؤدية إلى سهول البحر الأسود التي اشتهرت بخصبها واتساع أرجائها، والمضائق نفسها كانت مرتعا لنشاط تجاري كبير يدر على طراودة أرباحا طائلة تتقاضاها من رسوم الجمارك المفروضة على السفن ومن بينها سفن اليونانيين، زد على ذلك أنها قد استطاعت أن تتحكم في مصير سهول البحر الأسود وأن تستغل خيراتها سنين عديدة دون أي تزاحم غريب.
فلا غرابة إذا ضايق هذا الوضع مدينة إسبارطة وجيرانها وهم الذين يشعرون بتوفر الإمكانيات لديهم وباعتزاز بقوتهم وأصالتهم بالنسبة لعالم آخر يضم- على حد زعمهم- مجموعة من البرابرة المتوحشين فالحرب إذا كانت ضرورة نفعية وتعبيرا عنصريا لفرض الذات.
ماذا حدث أثناء هذه الحرب؟ دامت الحرب عشر سنوات لم يعرف البحر المتوسط فيها أي استقرار، بل لقد وصفه الأقدمون بأن مياهه كانت كمياه المرجل تغلي كل يوم، وأن حركة السطو والبغي كانت من صنع اليونانيين، بل لقد كانت فرصة نادرة أتاحت للمصارع اليوناني أن يروض عضلاته ويجرب كل أنواع الفتك والتعذيب. وقد انتشرت عدوى الحرب إلى الجيران ممن استكانوا واعتزلوا، فبعد أن كان الحثيون ينظرون إلى هذه الحرب من بعيد، اجبروا ذات يوم أن يشتبكوا مع اليونانيين عندما هاجموا جزيرة قبرص واستولوا على جزء منها، ولا غرابة أيضا إذا تضايق الفراعنة من اليونانيين فالتحموا معهم على الحدود، وقد انتشرت حركة الاستيلاء اليونانية على كل جزر بحر ايجة حتى شملت كل شعوبها وهدموا كل حضارتها.
وما دمنا بصدد الحديث عن المثل الأعلى اليوناني في هذه الحرب فإنه بجدر بنا أن نشير إلى شخصية القائد اليوناني أودسيوس الذي يعتبر بطل ملحمة الشاعر اليوناني هوميروس، في هذه الملحمة الشهيرة (أوديسيا) يفتخر أودسيوس بما أنجزه من أعمال السلب وهتك الأعراض أثناء هذه الحرب، وهو يتشدق بذلك ويسهب فيه حتى يزل لسانه في الكذب والتزوير، وهي لعمري أحد الفضائل التي يتحتم على اليوناني أن يتحلى بها كي يثبت لمواطنيه مدى ما وصل إليه من رجولة حقة وكفاءة في تحمل المسؤوليات فكم من قبيلة أبادها عن بكرة أبيها دون مبرر لذلك وكم من بطون بقرها على مرآى ومسمع من جنوده في جو من الهتاف والتصفيق، وكثيرا ما حشد جموعا من البرابرة فأغرقها أو ساقها إلى سوق النخاسة.
وفي غمرة من هذه الحياة الوحشية القاسية تجري حوادث أخرى عاطفية بين الجنسين ولكنها عواطف فظة غليظة، تلبست بلبوس حزبي حيث يسود فيها الغضب المفاجئ يؤول غالبا إلى القتل والخيانة، وفي شخصية القائد الشهير اخيلليس يتجلى لنا ذلك، فبعد أن تأكد له أن القائد الأعلى للجيوش