تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان لابن العاص ما كان يرتجيه، فقد اقطعه ولاية مصرن وجعلها ولاية ممنوحة له، وربما لا يكون من المستبعد انه من اجله اشنأ معاوية ولاية الاستكفاء والعمال المفوضين، والتي لم تعرف إلا في زمنه، ثم امتدت إلى زمن من بعده دفعا لثائرة عمرو بن العاص، وحقنا لجميع الشائعات. ولم يقف به الأمر عند هذا الحد بل حول كل شيء عن مجراه في الماضي القريب، فأعاد نظره في النظام الاجتماعي والسياسي ونظام الجيوش والولايات، وحتى الشعر العربي، كان هو الآخر له نصيبه من هذا الانقلاب، فبعد ما كان شعرا عربيا مستمدا من صميم الإيحاءات الصحراوية المترامية الأطراف إذا به استحال شعرا سياسيا يزخر بمحاسن الأمويين وبأيامهم، ويطفح بترتيل هباتهم وعطاياهم وإسعاد الناس بهم، وكان لا مندوحة للدولة الأموية- وهي في هذا الظرف الدقيق- ان تنصب منابر للشعراء في كل ميدان، وفي كل مكان من أقاليم الدولة، وتشتري ألسنتهم بالمال، لعلها تستأثر بمديحهم، وتتقي هجاءهم، وتتخذ منهم أبواق تستنفر بها الناس لتجعل منهم حشودا وجنودا على دعوتها، وقد أحيا هذا الشعر السياسي الأموي ما كان يكمن في نفوس الناس من عصبية الجاهلية، والتفاخر والشعور القبلي- إلى جانب لونه السياسي الجديد.

وقد كان للدولة الأموية- وعلى رأسها معاوية- مغانم واستفادت أخرى ستفيدها من مهاترات الشعراء ذوي النزعات المختلفة وتحرشاتهم، أن يضرب على اقفية الناس، فلا ينظرون الى عيوب سياستها، ولا ينعون على أثرها واستبدادها.

فكان من شعر النابغة ومسكين الدرامي والأخطل والفرزدق والكميت وجرير معرض لمهاترات الشعراء، وسوق يجتمع الناس فيه ليستمعوا الى صنوف المدح والهجاء بمعزل عن التعرف على الحياة العامة التي يعيش فيها الناس.

وقد تطالعك الأحداث بصور كثيرة من هذه المناطق التي كان يقتحمها معاوية تنفيذا لتصميماته الأولى التي طالما شغلت بال الراصدين لسير الحركات التاريخية لذلك العهد.

فما مسألة التحكيم ورفع المصاحف على أسنة الرماح، والمغالاة في أعطيات الجنود وأرزاقهم، وتنفيذ الخطط باسم الحفاظ على أموال المسلمين، وصيانة مقدسات الدين، إلا أمثلة حية شاهدة على الطابع الحقيقي لتكل الفترة التاريخية من حياة الناس وربما سأعود إلى مسالة التحكيم في حديث مقبل- والذي كان خطة سياسية ماكرة، وخطرا كله على علي، وقضاء فاصلا فيما بينه وبين خصومه والعنصر الحقيقي لانتقاض الناس عليه، وانتصار أعدائه، حيث بقي يتعثر في أذيال المصاعب الى أن لقي نهايته المحتومة على أيدي الخوارج.

ـــــــــــــ

واحدة بأخرى

في حفلة تكريم لمؤلفة على إصدارها كتابا جديدا كان من بين المدعوين مؤلفة أخرى فداعبتها هذه قائلة: (إن كتابك تحفة أدبية رائعة أهنك عليها من كل قلبي ولكني أحب أن اعرف من كتبه لك) فردت عليها المؤلفة بقولها: (إنني مسرورة جدا لأن الكتاب أعجبك ولكنني أحب أن اعرف من قرأه لك)

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٤٢٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٤٢٠