تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

رأى عمرو تدفق الناس في الإسلام، وإقبالهم عليه في استمرار، والفتوحات الإسلامية أرهقت أعصاب الناس، وصارت ملء سمع العالم وبصره، فرأى بدقة بصره أن الصواب يخالفه، وان الحظ يعاكسه، إذا هو لم يتعرض للمغانم والولايات الإسلامية، فما عليه إلا أن يبذل الثمن وينتظر.

جمع معاوية أمره، وجمع- ما استطاع- القلوب حوله، فما هو مدى كسبه في هذه المعركة إزاء هذه القوة الصاعدة من المسلمين الذين ثبتوا على بيعة علي، وما هي الثغرة الأولى التي يفتحها في صفوف المسلمين، لتنتقض عليه من حوله؟

إن معاوية بحاجة- فوق كل حاجة- إلى أن يفتح واجهة سياسية ملؤها التحايل والدهاء واستخدام المال، ليستدني الناس إليه بالإطماع، ويستميلهم إليه- أكثر من حاجته الى فتح واجهة عسكرية يلتقي فيها الجمعان- وان يكن في هذه الواجهة الأخيرة قد لطخ وجه التاريخ بصفحات دامية، فجنوده كانت ثمانين ألفا والوقائع التي كانت بينه وبين علي تسعون موقعة حربية، في مائة وعشرة أيام هلك فيها من الفريقين سبعون ألفا- ومع هذا فليس هذا كله هو الذي كان يقض مضاجعه ويستولي عليه منه الهم والقنوط، بل العقبة التي كان يسعى في تذليلها، هي ما قد يتبادر الى أذهان الناس من عدم عدالة قضيته، بماذا ينقذ نفسه من هذه الخيبة التي ربما يتعثر في أذيالها، والتي تكون لتأليب الناس عليه، واقتناعهم بحق علي؟، وربما اعانته الظروف أن يكون اسبق الآثار الى نفسه، وأسرعها أثرا في نفوس الناس، هو المطالبة بدم عثمان الذي يأخذ على الناس- في تلك الآونة مسالك تفكيرهم، والذي كان ظل دمه رهيبا- في نظر معاوية السياسي- ملقى على عاتق خلافة علي، وان كان يعلم في أعماقه أنه لا يد له فيه وما كان ليتطامن على حين الخليفة عثمان- بل رفيقه في الكفاح: عمرو بن العاص الذي استنجد به، هو صاحب الأصابع الخفية، وصاحب الفتنة الكبرى، للقضاء على عثمان باعترافه غير مرة، ولكن ذلك كان موضوعا بقدر ما يستدني الناس منه، ويستهلكون في سبيله، ويستل من نفوسهم حدبهم على علي، وتهالكهم عليه، وموتهم دونه.

وقد أثار الفاجعة من جديد تلقيحا لعناصر البغضاء- يوم إن عرض على الناس في مسجد دمشق قميص عثمان ملطخا بالدماء، وقد روجت هذه الشائعة على نطاقها الواسع، فكان ما قدر لها من الأثر البالغ في نفوس الناس، وكانت كلها حظوظا واسعة لمعاوية، وتدعيما لسياسته، وتزويدا له بما هو في حاجة إليه أكثر من أي شيء آخر، وكان طبيعيا لما استحكم هذا في نفوس الناس ودب إليها دبيب الوهن أن لا ينزل كتاب علي على معاوية في هذا الصدد منزلته من نفوس الناس ومن سريرتهم ومن أعماقهم، تلك المنزلة التي يعرفها صدق جهاده، وصفاء طويته، وجهره بالحق.

انظر إليه وهو يقول: «وبعد فما أنت وعثمان إنما أنت رجل من المهاجرين وبنو عثمان أولى بمطالبة دمه، فإن زعمت انك أقوى بذلك فادخل فيما دخل فيه المسلمون ثم حاكم القوم إلي»، ترى هذا الخطاب في صفاء جوهره، وصدق لهجته، لم يصادف من نفوس الناس- إلا قليلا منهم- إقبالا حسنا، ولم ينسف ما تراكم من تلك الإضافات السيئة التي سكبت مياها باردة على حرارة العطف والحفاظ على سبيل النبوة، فماذا يصنع علي- ومعاوية لا يتورع عن تقمص صورة كثيرة من الشعوذات السياسية والدينية التي لا يقف على الغرض منها إلا من كان عذب المزاج طويل الأناة مثله، الا وهو القائل: «اننا لا نصل إلى الحق الا بالخوض في كثير من الباطل».

وربما تظهر لك الحقيقة التي قد تختفي على بعض الناس عندما تقف على رأي صريح فصحيح صادر ممن عنده الخبر اليقين، الا وهو عمرو بن العاص، استمع إليه- وهو يصارح معاوية فيما يرويه الذهبي بعدما سمعه يقول: لولا حرصنا على خير المسلمين لما كان لنا غدو ورواح فيما نحن فيه، فقال ابن العاص: أحرقت يا معاوية قلبي بقصصك اترى أننا خالفنا عليا لفضل منا عليه، لا والله، إن هي إلا الدنيا نتكالب عليها وايم الله لتقطعن لي منها قطعة أو لأنابذنك.

مثل هذا التصريح الخطير يضع سياسة معاوية في الميزان، ليس بينها وبين الناس حجاب، ويقلق بالهن ويدعوه الى إعادة النظر في نظامه الحالي لو مل يكن يعمل باستمرار وبنشاط متزايد، ويبني في العاصفة، ويسعى في تلطيف حدة المصاعب والتموجات المختلفة التي قد تخلق في الأفق من حين لآخر.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٤١٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٤١٩