ورجال- لتشييد صرح مثل هذه الدولة- على أنقاض الخلافة الإسلامية- بما فيها من خلافة علي الذي أحال صفاء حقه، وصفاء سريرته وصدق جهاده إلى قتام، وأحال انتصاراته التي كانت تنتظره- في شخصية مثل شخصيته، وجهاد مثل جهاده- إلى هزائم متلاحقة بما كان يستعمله في هذا السبيل- وأكثر مما يلزم- من المهارة الفائقة والدرس والوقيعة والتحايل والمساومات، فكان له نفوذه الواسع، ومكاسبه الوفيرة، وطمأنينته على مستقبل استخرجه من خاصرة الباطن ووقف جهده ونشاطه على خدمته وتلافي كل ما يمكن أن يحيق به.
وهو مع ما ليقه من النجاح الباهر، والجد الكبير، كان يعلم أنه في حاجة إلى من يستعين به في تقصي آثار المناوئين له والسعي في تخاذلهم وترويج الشكوك بين الناس في عدالة قضيتهم.
بل ربما كانت في بعض الأحيان ترتسم على وجهه أسارير القلق وعلائم الحيرة، وطلائع الشك في نجاح قضيته في المعركة المقبلة، وفي عدالتها إزاء علي بن أبي طالب، وفي إفهام الناس بنبل مقصده في ثورته عليه، وكان معاوية يحس بهذا في قرارة نفسه، وان الحال سينتهي بانفضاض الناس من حوله إن لم ينته في هذا الموقف على رأي واضح، خصوصا وهو يرى أن الناس قد اسلموا أمرهم الى علي ودانوا له بالطاعة، واستقامت له البيعة في الحجاز وفي العراق وامتدت إلى مصر والى الشام، والناس يتحدثون في سر سكون معاوية عن طاعة الخليفة الجديد. رأى أن الأمر قد يفضي به الى أسوأ مصير، وبدأت أمارات اليأس تساوره من حين لآخر وبخاصة بعد معركة طلحة والزبير- أيتعجل بالطاعة لعلي ليبقيه على ولايته بالشام، أم يناجزه القتال، وكيف يمكنه إقناع الناس بمناهضة الخليفة سليل الرسول (ص) والحال أن مداد النبوة لم يجف، وبساطها لا يزال منشورا لم يطو، والمسلمون مستهلكون في نصرته، راضون عنه رضاهم عن دينهم؟.
كل هذا جعل من معاوية طاقة حرارية لا تخبو، وقوة لا تلين، وفكرة ممتدة طويلة تجمع الأمور أولاها على آخرها في أناة وحسن تقدير، فانتهى به الحال إلى الاستنجاد بعمرو بن العاص الذي ما يقصر عنه في رأي ولا في حزم ولا في قوة، إن لم يكن أوسع منه دهاء ومكرا، فقد بعث إليه بكتاب- فيما يرويه اليعقوبي- يقول فيه: وبعد، فإنه كان من أمر علي وطلحة والزبير ما قد بلغك، فقد قدم على جرير بن عبد الله في بيعة علي، وحبست نفسي حتى تأتيني، فأقدم على بركة الله تعالى.
وقد صادف الكتاب من نفس عمرو بن العاص ما كان يرجوه لمعاوية، بل وجده كله قرحة دامية يتحفز للوثوب، ويتأهب للانقضاض، فألمه لفراق مصر، وتولية ابن أبي سرح عليها وعزله من قبل الخليفة عثمان أمور لا تزال تحز في نفسه ويلاقي منها عناء شديدا.
وهو- من جهة أخرى- ليس خاطرا جديا في نفس ابن العاص أنه ليحس بمطالع هذه الخلافة المعقودة لعلي في شيء من الشك وقلة التقدير.
وبعد، فمن يكون عمرو بن العاص، ومن يدري لون المساومات التي كانت هوايته المفضلة يطبع بها حياة المسلمين، وقد وجد من نفس معاوية ما يشفي غلته في توسيع الشقة بين العهدين.
أثار الفتنة على عثمان من مضاجعها حتى نعى، وها هو ذا الآن يثيرها شمطاء على علي حتى ينعى وهو إلى جانب هذا كله لم يكن من الأبطال الذين كان سيتعين بهم معاوية- كالمغيرة، وزياد- فحسب، بل كان له المدد الأول والأخير في اصطناع المساومات، وإلهاب التحرشات، والقضاء على كل حركة مناهضة. حقا إن المكاسب الفياضة، والانتصارات التي سيقت لمعاوية ما كانت لتنتظم له لو لم يكن ابن العاص هو الذي يستوثق له من صلابة الطريق ويقوم له تلك الصفقات الانتهازية تقويمها الحقيقي، ويقطع به المسافات القريبة والبعيدة في بعد تقديره وتفكيره ودقة حسابه للأشياء.
ما كان ليتسرب الى عمرو- وهو على هذه الحال خطأ هذه المغامرة بما في هذه الصفقة الجديدة من مخاطر- لأنه يستحيل عليه أن يمضي في سير غير مقدر ربحه وخسارته من كل عمل يقدم عليه، فهو رجل يجيد المساومة، ويجيد الاستثمار، ويساوم في حرص، ولا ينزل السوق إلا كاسبا، ويرقب الأمور من جميع وجوهها، وصدق رسول الله (ص): اسلم الناس، وآمن عمرو بن العاص.