دعوة الحق، س.4، ع8 /ماي 1961 .................... ص 40
معاوية بن أبي سفيان: صفحة تاريخية فاصلة بين عهدين
للأستاذ: محمد العيسوي
قد يذهب الباحثون عن سر تقلبات الدولة الإسلامية ومدها وجزرها إلى مذاهب شتى، وقد يطول بهم البحث والاستنتاج بعد المقارنات والموازنات بين العهدين: عهد الخلافة الراشدة، والعهد الذي يليه. وقد لا يضعون أيديهم على نتائج حاسمة، ويستبد بهم القلق أحيانا طالما لم يجدوا لهذه الظاهرة التاريخية تفسيرا واضحا مستمدا من تصرفات العهدين، ومن التعبئات والأفكار والوسائل والأهداف التي كانت تملأ تلك الفترة التاريخية من حياة المسلمين، وقد يطول الحديث إذا نحن تعرضنا للموضوع من أساسه.
لذلك أركز هذا البحث في العهد الأموي الذي تلا عهد الخلافة الإسلامية وأركز النظرة الأولى في سيد موقف ذلك العهد، وهو معاوية بن أبي سفيان.
أما عهد الخلافة الإسلامية فإنا نجد أنفسنا في حل من تصوير حياته الاجتماعية والسياسية ما دمنا مقتنعين بأن حياته العامة كانت تمتاز بطابع ديني، وتتسم بمسحة النبوة، فإن لنظام هذه الخلافة نفس الفكرة، ونفس التصميم الذي أقامته الدعوة الإسلامية زمن الرسول (ص)، ليس هناك فروق طبقية ولا شعور سلالي، ولا حاكم ومحكوم، ولا ملك وسوقة، كل ما في الأمر أن خليفة المسلمين يقيم عدل الله فيهم، ويسوي بينهم في أعطياتهم وأرزاقهم وخصوماتهم وفي تقريب مسافات الخلف بينهم، ويصون عليهم دنياهم صيانته لدينهم، ولا يأخذ منهم أموالهم إلا على الوجه المعروف لتنفق في أوجهها المعروفة كذلك.
أما حين يصل بنا المطاف الى مؤسس العهد الأموي، وقائده المحنك معاوية فإن اثر الخلافة الإسلامية ينمحي عندما نقف على عتبة العهد الذي كان مليئا بتقلبات فكرية وسياسية واجتماعية وعسكرية لتحقيق مطامع خاصة قد يركب لها أصحابها كل مركب بما وسعهم من الوسائل في تثبيت فكرتهم، وتركيز دعوتهم، واستمالة الجماهير إليهم وتسديد السهام على أعدائهم.
بيد أنه وان أوغلنا في البحث، وبالغنا في تعليل الأحداث وتسلسلها، واستنفدنا ما لدينا من جهد، فلا نستطيع أن نجرؤ على القول بأن هذا الصراع بين هذين العهدين كان وليد أشخاص، أو اشترك في تأليفه عدة أسباب وعوامل غابرة، بل هو صراع نجده في الواقع بين فكريتن، وبين خلقين، وبين مزاجين من زمن بعيد.
وربما لا يكون من المستبعد أن يلتمس تفسير هذا الانقلاب والتحول في الفكرة الإسلامية فيما انتهى إليه عاهل ألمانيا في تصريحه لشيخ الاسلال بالأستانة، لنستمع غليه: انه يجب علينا أن نقيم تمثالا ذهبيا في ميدان- كذا- من عاصمة برلين، لمعاوية بن أبي سفيان، لأنه هو أول من حول نظام الإسلام عن قاعدته الديمقراطية الى عصبية الغلب، ولولاه لكنا- معشر الألمانيين - عربا مسلمين.
على ضوء هذه الفكرة نستطيع أن نضع أيدينا على بعض الوثائق التاريخية وعلى تفسيرها الواضح، وعلى تفسير بعض الأهداف التي كان يحيطها معاوية بسياج سميك من أساليب التغطية والتمويه والتي ترجع في الحقيقة الى غرض واحد- الى ما يستتبع ذلك من مطالب - وهو استرداد مجد ءال عبد شمس، واحياء ذلك الشعور السلالي الذي أحيا بجانبه العداء التقليدي القديم بين بني هاشم وبني أمية.
فقد أسس معاوية الدولة الأموية الجديدة في بلد اسلامي يتوفر على المواد الضرورية- من مال