تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إلا أنه لابد أن يتسمر مشوبا بالتقليد فيما ليس من الأوليات.

2 - ومن هنا انطلق أبو حامد الغزالي إلى الفلسفة، فعلم انه لا يستطيع أن يقف على فساد علم من العلوم من لم يقف على مشتهى ذلك العلم، ثم يجاوز فيه درجة أعلم أصحابه، وبذلك يطلع على ما لم يطلع عليه صاحب العلم من غور وغائلة، وهنا ما لم يهتم بت أحد من أهل الإسلام.

يقول الغزالي (ولم يكن في كتب المتكلمين من كلامهم حيث اشتغلوا بالرد عليهم إلا كلمات معقدة مبددة، ظاهرة التناقض والفساد، لا يظن الاغترار بها بعاقل عادين فضلا عمن يدعي دقائق العلوم، فعلمت أن رد المذهب قبل فهمه والاطلاع على كنهه رمي في عماية).

وقد شمر أبو حامد عن ساعد الجد لتحصيل الفلسفة من الكتب رغم انه كان مرهقا بالتدريس لثلاثمائة طالب من طلاب بغداد، واطلع على منتهى علوم الفلاسفة في أقل من سنتين، ثم واظب على التفكير فيها ما يقرب من سنة، معودا، مفتقدا حتى اطلع على ما فيها من خداع وتلبيس اطلاعا لم يشك فيه.

وقد علم الغزالي أن الفلاسفة على اختلاف أنواعهم وكثرة أصنافهم تلزمهم وصمة الكفر والإلحاد، وإن كان هناك تفاوت بين قدمائهم ومحدثيهم في القرب من الحق والبعد عنه.

وتبين له أن الفلاسفة أصناف ثلاثة: الدهريون والطبيعيون والإلهيون. ويفصل الغزالي في بيان الصنف الأخير، ثم يرى أن مجموع ما صرح عنده من هذه الفلسفة الأرسطية بحسب نقل الفارابي وابن سينا ينحصر في أنواع ثلاثة، وهي ما يجب التفكير بت، وما يجب التبديع بت أي ما يجب اعتباره بدعة مستحدثة لم ترد في نصوص الشرع ولا أقوال أهل السنة، وما لا يجب إنكاره ...

وتبين للغزالي أيضا أن علوم الفلاسفة رياضية، ومنطقية، وطبيعية، إلهية، وسياسية، وخلقية،

فالرياضيات لا تنفي الدين ولا تثبته فلا سبيل إلى مجاحدتها حيث أنها أمور برهانية، إلا أن لها آفتين:

الأول تنشأ ممن يعجب بها وبدقائقها فيظن أن علوم الفلاسفة كلها على مثال ذلك الضبط تلك الدقة فيكفر بالدين، ويعتنق الفلسفة، ويرى أن الدين لو كان صحيحا لما تخلى الفلاسفة عنه وهم أصحاب هذه الدقة وأهل ذاك اليقين .. ولهذا ينصح الغزالي بزجر من يخوض في تلك العلوم لأنه قل أن يخوض فيها المرء ولا ينخلع من الدين ويفقد التقوى.

أما الآفة الثانية فتنشأ من صديق للإسلام جاهل يظن أن نصرة الدين تتم بإنكار كل علم منسوب إلى الفلاسفة، ويحذر الغزالي من ذلك، فإن مثل هذا الشخص إنما يضعف أمر الدين وهو يحسب أنه ينتصر له.

ذلك أنه ليس في الشرع أي تعرض لهذه العلوم ينفي ولا إثبات.

أما العلوم المنطقية فشأنها شأن الرياضيات في أنها لا توافق ولا تعارض الدين، ولا يخالف الفلاسفة فيها أهل الحق- على ما يرى أبو حامد- إلا بالاصطلاحات وكثرة التشعيبات، ولها ما للرياضيات من آفة.

وفي الإلهيات يرى الغزالي أن الفلاسفة لم يفوا بشروط القياس بشكل مضبوط .. ولا اعتراض للغزالي على طبيعيات الفلاسفة إلا في المسائل التي أوضحها في كتاب (التهافت) والمتعلقة بمباحث الشبيبة وغيرها ...

ويلاحظ الغزالي أن كلام الفلاسفة في السياسة مأخوذ من الكتب السماوية والحكم المأثورة عن الأنبياء أما العلوم الخلقية فهي مأخوذة عن الصوفية وممزوجة بالفلسفة ترويجا لباطلها على حد قول الغزالي، وقد تولد من مزج كلام الصوفية بكلام الفلاسفة آفتان:

الأولى في حق من يرد كلامهم بحيث يظن أن كل ما ذكره باطل ... وهنا يوصينا الغزالي أن نعرف الرجال بالحق لا الحق بالرجال ... كما يرى زجر العامة عن مطالعة كتب الفلاسفة ما أمكن.

ويشعر الغزالي في هذه اللحظة كان معاتبا يلومه على عدم تقيده بهذه النصيحة، ومطالعته وإيراده لما

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٤١٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٤١٠