تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ذكره الفلاسفة الأولون ضمن مؤلفاته وأحاديثه، وبينه إلى أن بعض ما اعترض عليه في إيراده هو من مولدات خواطره، ولا يستبعد أن يقع الحافر على الحافر، ولا يمنع القول بها إذا كانت حقائق، مجرد ذكر الأولين لها ... وأن من أقل درجات العالم التميز عن العامي.

أما الآفة الثانية فهي أن يحسن القارئ الظن بما كتبه أولئك لما يجده في كتبهم من الحق الممزوج بالباطل وبذلك يقبل كل ما يعرضون عليه.

ولهذا يرى الغزالي أن من واجب العالم الراسخ أن يحذر الناس من ذلك الأذى، غذى حسن الظن بكتب الفلاسفة لما فيها من حق ممزوج بالباطل.

وهكذا وجد الغزالي الفلسفة والفلاسفة: حق ممزوج بكثير من الباطل وطريق مليء بالغوائل والآفات، فلما فرغ من علم الفلسفة، وعلم أنه أيضا غير واف بكمال الغرض (إن العقل ليس مستقلا بالإحاطة بجميع المطالب، ولا كاشفا الغطاء عن جميع المعضلات) وكان أنش اع بين الخلق تحدث التعليمية (الباطنية) بمعرفة الأمور من جهة الإمام المعصوم إذ ذاك عن الغزالي أن يبحث ما يقولون ليطلع على ما عندهم.

واتفق - كما يقول الغزالي- أن ورد عليه أمر من الخليفة لتصنيف كتاب يكشف عن حقيقة مذهبهم، وبذلك اجتمع الدافع الباطني إلى الوازع الخارجي، فابتدأ في الدراسة وجمع مقالات هؤلاء، وكان قد بلغه بعض أقوالهم المستحدثة التي لم تكن عند سلفهم، فجمعها واستوفى الجواب عنها حتى أنكر عليه بعض أهل الحق ذلك، لأن التعليمية لم يكونوا يستطيعون نصرة مذهبهم بأحسن مما قام بت الغزالي .. ولكنه برر ذلك بقوله أن الشبهة إذا انتشرت فالرد عليها واجب، سيما وقد سمع عن بعض أصحابه أنهم كانوا يضحكون على الردود التي كانت تساق ضدهم، لأن الرادين لم يكونوا يفهمون حجتهم، ويقول الغزالي في هذا (فلم ارض لنفسي أن يظن بي الغفلة عن أصل حجتهم فلذلك أوردتها، ولا أن يظن بي أني - وإن سمعتها - لم أفهمها، فلذلك قررتها).

ويرى الغزالي أنه لا حاصل وراء كلام هؤلاء، فلولا المتكلمين ناظروا التعليمية فأساءوا مناظرتهم ولم يتقنوا أساليب الرد عليهم لما انتشر أمرهم وشاع حديثهم بين الناس.

والخلاصة أن الغزالي لم يجد عند هؤلاء التعليمية شفاء ينجي من ظلمات الآراء فإنه لا علم وراء ما يدعون، بل غايتهم الوقوف عند القول أن العلم عند الإمام المعصوم الذي لابد منه.

والغزالي يتهمهم بمحاولة استدراج العوام وضعفاء العقول ...

ومن هنا اتجه الغزالي إلى طريق الصوفية.

وقد لمس أبو حامد أن طريق التصوف مزيج من علم وعمل، وما أيسر العلم عندهم بالنسبة إلى العمل. طالع الغزالي ما كتبه أبو طالب المكي، والحارث المحاسبي، وما اثر عن الجنيد والشبلي والبسطامي .. فظهر له أن خصائصهم لا يوصل إليها بالتعلم، بل بالذوق وتبدل الصفات (وفرق بين أن تعلم حد السكر أو الشبع، وبين أن شكر أو تشبع)، فلذلك الفرق بين حقيقة الزهد شروطه، وبين أن تكون حالة المرء الزهد والعزوف عن الدنيا ... هؤلاء إذن أرباب أحوال لا أصحاب أقوال، يقول الغزالي:

(وكان قد حصل معي من العلوم التي مارستها، والمسالك التي سلكتها في التفتيش عن صنفي العلوم الشرعية والعقلية إيمان يقيني بالله تعالى، وباليوم الآخر والنبوة) ... ولم يكن ذلك بدليل، بل بأسباب وقرائن وتجارب لا تدخل تحت الحصر تفاصيلها.

وكان قد بدا أن لا مطمع في سعادة الآخرة إلا بالتقوى، وكف النفس عن الهوى، بالتجافي عن دار الغرور، والإقبال على الله تعالى، وما يوصل إلى سعادة الآخرة من الأغراض عن الجاه والمال، والهرب من الشواغل كلها، ثم لاحظ أنه منغمس في العلائق، وأن أحسن أعماله- التدريس- ليس مقبلا فيها على علوم مهمة ولا نافعة في الآخرة، كما تفكر في أن نيته في التدريس غير خالصة لوجه الله بل باعثها ومحركها طلب الجاه والصيت، فأدرك أنه على شفا جرف هار إن لم يشتغل بتلافي الأمر.

لنستمع إلى الغزالي وهو يصف تردده وصفا رائعا مؤثرا:

( .. فصارت شهوات الدنيا تجاذبني بسلاسلها إلى المقام، ومنادي الإيمان ينادي الرحيل الرحيل/ فلم يبق من العمر إلا القليل وبين يديك السفر الطويل

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٤١١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٤١١